أي لا يحب أن يعيش إلا ليشبع من رضى محبوبه . ويقوم بعبوديته . ويستكثر من الأسباب التي تقربه إليه ، وتدنيه منه . لا لعلة من علل الدنيا . ولا لشهوة من شهواتها ، كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « لولا ثلاث لما أحببت البقاء : لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل اللّه ، ومكابدة الليل ، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام ، كما ينتقى أطايب التمر » .
يريد رضي اللّه عنه : الجهاد ، والصلاة ، والعلم النافع . وهذه درجات الفضائل . وأهلها هم أهل الزلفى ، والدرجات العليا .
وقال معاذ رضي اللّه عنه عند موته : « اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء لجري الأنهار ، ولا لغرس الأشجار ، ولا لنكح الأزواج ، ولكن لظمأ الهواجر ، ومكابدة الليل ، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر » .
* * * وقوله « ولا يشهد من نفسه إلا أثر النقصان » .
يعني لا يرى نفسه إلا مقصرا . والموجب له لهذه الرؤية : استعظام مطلوبه ، واستصغار نفسه ، ومعرفته بعيوبها ، وقلة زاده في عينه . فمن عرف اللّه وعرف نفسه : لم ير نفسه إلا بعين النقصان .
وأما قوله « ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص » .
فلأنه - لكمال صدقه ، وقوة إرادته ، وطلبه للتقدم - : يحمل نفسه على العزائم . ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرخص .
وهذا لا بد فيه من التفصيل . فإن الصادق يعمل على رضى الحق تعالى ومحابه . فإذا كانت الرخص أحب إليه تعالى من العزائم : كان التفاته إلى ترفيهها . وهو عين صدقه . فإذا أفطر في السفر ، وقصر وجمع بين الصلاتين عند الحاجة إليه . وخفف الصلاة عند الشغل ، ونحو ذلك من الرخص التي يحب اللّه تعالى أن يؤخذ بها : فهذا الالتفات إلى ترفيهها لا ينافي الصدق .
بل ههنا نكتة . وهي أنه فرق بين أن يكون التفاته إليها ترفّها وراحة . وأن يكون متابعة وموافقة . ومع هذا فالالتفات إليها ترفها وراحة لا ينافي الصدق . فإن هذا هو المقصود منها .
وفيه شهود نعمة اللّه على العبد ، وتعبده باسمه « البر ، اللطيف ، المحسن ، الرفيق » فإنه رفيق يحب الرفق . وفي الصحيح « ما خيّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما . ما لم يكن إثما » لما فيه من روح التعبد باسم « الرفيق ، اللطيف » وإجمام القلب به لعبودية أخرى . فإن القلب لا يزال ينتقل في منازل العبودية . فإذا أخذ بترفيه رخصة محبوبه : استعد بها لعبودية أخرى . وقد تقطعه عزيمتها عن عبودية هي أحب إلى اللّه منها ، كالصائم في السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه ، والمفطر الذي يضرب الأخبية ، ويسقي الركاب ، ويضم المتاع . ولهذا قال فيهم النبي صلى اللّه عليه وسلم « ذهب المفطرون اليوم بالأجر » ؟
أما الرخص التأويلية ، المستندة إلى اختلاف المذاهب ، والآراء التي تصيب وتخطىء :
فالأخذ بها عندهم عين البطالة مناف للصدق .
قال « الدرجة الثالثة : الصدق في معرفة الصدق . فإن الصدق لا يستقيم - في علم أهل
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 503
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٥٠٣