والمرض وسائر الآلام . وهذا أمر جبلي طبيعي . ولا يخرج صاحبه عن الصدق ، لا سيما إذا كان قدوة متبعا . فإن كراهته لذلك من علامات صدقه . لأن فيها مفسدتين : مفسدة ترك الاقتداء به ، واتباعه على الخير وتنفيذه . ومفسدة اقتداء الجهال به فيها . فكراهيته لاطلاعهم على مساوىء عمله : لا تنافي صدقه ، بل قد تكون من علامات صدقه .
نعم المنافي للصدق : أن لا يكون له مراد سوى عمارة حاله عندهم ، وسكناه في قلوبهم تعظيما له . فلو كان مراده تنفيذا لأمر اللّه ، ونشرا لدينه ، وأمرا بالمعروف ، ونهيا عن المنكر ، ودعوة إلى اللّه : فهذا الصادق حقا . واللّه يعلم سرائر القلوب ومقاصدها .
وأظن أن هذا هو مراد المحاسبي بقوله : « ولا يكره اطلاع الناس على السئ من عمله » فإنهم يريدون ذلك فضولا ، ودخولا فيما لا يعني . فرضي اللّه عن أبي بكر الصديق حيث قال :
« لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، واللّه لو منعوني عناقا - أو عقالا - كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقاتلتهم عليه » فهذا وأمثاله يعدونه ويرونه من سيىء الأعمال عند العوام والجهال .
وقال بعضهم : من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت .
قيل : وما الفرض الدائم ؟ قال : الصدق .
وقيل : من طلب اللّه بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق والباطل .
وقيل : عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك . فإنه ينفعك . ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك . فإنه يضرك . وقيل : ما أملق تاجر صدوق .
تعريف الصدق
قال صاحب المنازل :
« الصدق : اسم لحقيقة الشيء بعينه حصولا ووجودا » .
الصدق : هو حصول الشيء وتمامه ، وكمال قوته ، واجتماع أجزائه ، كما يقال : عزيمة صادقة . إذا كانت قوية تامة ، وكذلك : محبة صادقة ، وإرادة صادقة . وكذا قولهم : حلاوة صادقة . إذا كانت قوية تامة ثابتة الحقيقة . لم ينقص منها شيء .
ومن هذا أيضا : صدق الخبر . لأنه وجود المخبر بتمام حقيقته في ذهن السامع .
فالتمام والوجود نوعان : خارجي ، وذهني . فإذا أخبرت المخاطب بخبر صادق حصلت له حقيقة المخبر عنه بكماله وتمامه في ذهنه .
ومن هذا : وصفهم الرمح بأنه « صادق الكعوب » إذا كانت كعوبه صلبة قوية ممتلئة .
درجات الصدق
قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : صدق القصد . وبه يصح الدخول في هذا الشأن . ويتلافى به كل تفريط . ويتدارك به كل فائت . ويعمر كل خراب . وعلامة هذا الصادق :
أن لا يتحمل داعية تدعو إلى نقض عهد . ولا يصبر على صحبة ضد . ولا يقعد عن الجد بحال » .
يعني بصدق القصد : كمال العزم ، وقوة الإرادة ، بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السلوك ، وميل شديد يقهر السر على صحة التوجه . فهو طلب لا يمازجه رياء ولا فتور . ولا