الطبيعة . وإنما هو الصبر ، وإلا فكيف يجتمع الرضى والكراهة ؟ وهما ضدان .
والصواب : أنه لا تناقض بينهما ، وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضى ، كرضى المريض بشرب الدواء الكريه ، ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ ، ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل اللّه من ألم الجراح ، وغيرها .
وطريق الرضى طريق مختصرة ، قريبة جدا ، موصلة إلى أجل غاية . ولكن فيها مشقة . ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة . ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها .
وإنما عقبتها همة عالية . ونفس زكية ، وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من اللّه .
ويسهل ذلك على العبد : علمه بضعفه وعجزه ورحمته به ، وشفقته عليه ، وبره به . فإذا شهد هذا وهذا ، ولم يطرح نفسه بين يديه ، ويرضى به وعنه . وتنجذب دواعي حبه ورضاه كلها إليه :
فنفسه نفس مطرودة عن اللّه ، بعيدة عنه . ليست مؤهلة لقربه وموالاته ، أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن .
فطريق الرضى والمحبة : تسيّر العبد وهو مستلق على فراشه . فيصبح أمام الركب بمراحل .
وثمرة الرضى : الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى .
ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - في المنام . وكأني ذكرت له شيئا من أعمال القلب . وأخذت في تعظيمه ومنفعته - لا أذكره الآن - فقال : أما أنا فطريقتي : الفرح باللّه ، والسرور به ، أو نحو هذا من العبارة .
وهكذا كانت حاله في الحياة . يبدو ذلك على ظاهره . وينادي به عليه حاله .
لكن قد قال الواسطي : استعمل الرضى جهدك . ولا تدع الرضى يستعملك ، فتكون محجوبا بلذته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع .
وهذا الذي أشار إليه الواسطي هو عقبة عظيمة عند القوم ، ومقطع لهم . فإن مساكنة الأحوال ، والسكون إليها ، والوقوف عندها : استلذاذا ومحبة : حجاب بينهم وبين ربهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم . وهي عقبة لا يجوزها إلا أولو العزائم .
وكان الواسطي كثير التحذير من هذه العقبة . شديد التنبيه عليها .
ومن كلامه : إياكم واستحلاء الطاعات . فإنها سموم قاتلة .
فهذا معنى قوله : « استعمل الرضى جهدك . ولا تدع الرضى يستعملك » أي لا يكون عملك لأجل حصول حلاوة الرضى ، بحيث تكون هي الباعثة لك عليه . بل اجعله آلة لك وسببا موصلا إلى قصدك ومطلوبك . فتكون مستعملا له ، لا أنه مستعمل لك .
وهذا لا يختص بالرضى ، بل هو عام في جميع الأحوال والمقامات القلبية ، التي يسكن إليها القلب . حتى أنه أيضا لا يكون عاملا على المحبة لأجل المحبة ، وما فيها من اللذة والسرور والنعيم به . بل يستعمل المحبة في مرضاة المحبوب ، لا يقف عندها . فهذا من علل المحبة .
وقال ذو النون : ثلاثة من أعلام الرضى : ترك الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء . وهيجان الحب في حشو البلاء .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 438
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٤٣٨