قلت : هذا تعلق بإشارة الآية ، لا بالمراد منها . فإن المراد منها : رضاها بما حصل لها من كرامته . وبما نالته منها عند الرجوع إليه . فحصل لها رضاها ، والرضى عنها . وهذا يقال لها عند خروجها من دار الدنيا ، وقدومها على اللّه .
قال عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما : « إذا توفي العبد المؤمن أرسل اللّه إليه ملكين .
وأرسل إليه بتحفة من الجنة . فيقال : أخرجي أيتها النفس المطمئنة ، أخرجي إلى روح وريحان ، وربّ عنك راض » .
وفي وقت هذه المقالة ثلاثة أقوال للسلف :
أحدها : أنه عند الموت ، وهو الأشهر ، قال الحسن : إذا أراد قبضها اطمأنت إلى ربها ، ورضيت عن اللّه ، فيرضى اللّه عنها .
وقال آخرون : إنما يقال لها ذلك عند البعث ، هذا قول عكرمة وعطاء والضحاك وجماعة .
وقال آخرون : الكلمة الأولى - وهي
« ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً »
- تقال لها عند الموت . والكلمة الثانية - وهي
« فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي »
- تقال لها يوم القيامة . قال أبو صالح
« ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً »
هذا عند خروجها من الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قيل لها
فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي
.
والصواب : أن هذا القول يقال لها عند الخروج من الدنيا ، ويوم القيامة . فإن أول بعثها عند مفارقتها الدنيا . وحينئذ فهي في الرفيق الأعلى ، إن كانت مطمئنة إلى اللّه ، وفي جنته . كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة . فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك . وحينئذ فيكون تمام الرجوع إلى اللّه ودخول الجنة .
فأول ذلك عند الموت . وتمامه ونهايته : يوم القيامة ، فلا اختلاف في الحقيقة .
لكن الشيخ أخذ من إشارة الآية : أن رجوعها إلى اللّه من الخلق في هذا العالم إنما يحصل برضاها . ولكن لو استدل بالآية في مقام الطمأنينة لكان أولى ، فإن هذا الرجوع الذي حصل لها فيه رضاها ، والرضى عنها : إنما نالته بالطمأنينة . وهو حظ الكسب من هذه الآية ، وموضع التنبيه على موقع الطمأنينة ، وما يحصل لصاحبها . فلنرجع إلى شرح كلامه .
قوله : « الرضى هو الوقوف الصادق » يريد به الوقوف مع مراد الرب تبارك وتعالى الديني حقيقة ، من غير تردد في ذلك ولا معارضة . وهذا مطلوب القوم السابقين . وهو الوقوف الصادق مع محاب الرب تعالى ، من غير أن يشوب ذلك تردد ، ولا يزاحمه مراد .
قوله : « حيثما وقف العبد » يصح أن يكون « العبد » فاعلا . أي حيث ما وقف بإذن ربه لا يلتمس تقدما ولا تأخرا . ويصح أن يكون مفعولا ، وهو أظهر . أي حيثما وقف اللّه العبد - فإن « وقف » يستعمل لازما ومتعديا - أي حيثما وقفه ربه . لا يطلب تقدما ولا تأخرا . وهذا إنما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلق بالأمر والنهي . وأما إذا وقفه في مراد ديني ، فكماله بطلب التقدم فيه دائما . فإنه إن لم تكن همته التقدم إلى اللّه في كل لحظة : رجع من حيث لا يدري . فلا وقوف في الطريق البتة ، ولكن إذا وقف في مقام - من الغنى والفقر ، والراحة والتعب ، والعافية والسقم ، والاستيطان ومفارقة الأوطان - يقف حيث وقفه . لا يطلب غير تلك