نصيبه من
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
فنصيبه من اللّه : أقوى من نصيبه باللّه . فهذا حال المؤمن الضعيف .
وصابر باللّه ، لا للّه : حال الفاجر القوي . وصابر للّه وباللّه : حال المؤمن القوي . والمؤمن القوي خير وأحب إلى اللّه من المؤمن الضعيف .
فصابر للّه وباللّه عزيز حميد . ومن ليس للّه ولا باللّه مذموم مخذول . ومن هو باللّه لا للّه قادر مذموم . ومن هو للّه لا باللّه عاجز محمود .
فبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذا الباب . ويتبين فيه الخطأ من الصواب . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
منزلة الرّضى
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الرضى » .
وقد أجمع العلماء على أنه مستحب ، مؤكد استحبابه . واختلفوا في وجوبه . على قولين .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يحكيهما على قولين لأصحاب أحمد .
وكان يذهب إلى القول باستحبابه .
قال : ولم يجئ الأمر به ، كما جاء الأمر بالصبر . وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم .
وقال : وأما ما يروى من الأثر « من لم يصبر على بلائي ، ولم يرض بقضائي ، فليتخذ ربا سوائي » فهذا أثر إسرائيلي ، ليس يصح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم .
قلت : ولا سيما عند من يرى أنه من جملة الأحوال التي ليست بمكتسبة ، بل هو موهبة محضة . فكيف يؤمر به . وليس مقدورا عليه ؟ .
وهذه مسألة اختلف فيها أرباب السلوك على ثلاث طرق :
فالخراسانيون قالوا : الرضى من جملة المقامات . وهو نهاية التوكل . فعلى هذا : يمكن أن يتوصل إليه العبد باكتسابه .
والعراقيون قالوا : هو من جملة الأحوال . وليس كسبيا للعبد ، بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال .
والفرق بين المقامات والأحوال : أن المقامات عندهم من المكاسب . والأحوال مجرد المواهب .
وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين . منهم القشيري - صاحب الرسالة - وغيره فقالوا : يمكن الجمع بينهما ، بأن يقال : بداية « الرضى » مكتسبة للعبد . وهي من جملة المقامات . ونهايته من جملة الأحوال ، وليست مكتسبة ، فأوله مقام ، ونهايته حال .
واحتج من جعله من جملة المقامات : بأن اللّه مدح أهله ، وأثنى عليهم ، وندبهم إليه ، فدل ذلك على أنه مقدور لهم .
وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا » .