وقيل للحسين بن علي رضي اللّه عنهما : إن أبا ذر رضي اللّه عنه يقول : الفقر أحب إليّ من الغنى ، والسقم أحب إليّ من الصحة . فقال : رحم اللّه أبا ذر . أما أنا ، فأقول : من اتكل على حسن اختيار اللّه له لم يتمنّ غير ما اختار اللّه له .
وقال الفضيل بن عياض لبشر الحافي : الرضى أفضل من الزهد في الدنيا . لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته .
وسئل أبو عثمان عن قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أسألك الرضى بعد القضاء » . فقال : لأن الرضى قبل القضاء عزم على الرضى . والرضى بعد القضاء هو الرضى .
وقيل : الرضى ارتفاع الجزع في أي حكم كان .
وقيل : رفع الاختيار . وقيل : استقبال الأحكام بالفرح .
وقيل : سكون القلب تحت مجاري الأحكام .
وقيل : نظر القلب إلى قديم اختيار اللّه للعبد . وهو ترك السخط .
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى رضي اللّه عنهما « أما بعد ، فإن الخير كله في الرضى . فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر » .
وقال أبو علي الدقاق : الإنسان خزف ، وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحق تعالى .
وقال أبو عثمان الحيري : منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حال فكرهته ، وما نقلني إلى غيره فسخطته .
والرضى ثلاثة أقسام : رضى العوام بما قسمه اللّه وأعطاه . ورضى الخواص بما قدره وقضاه . ورضى خواص الخواص به بدلا من كل ما سواه .
شرط القاصد الدخول في الرضا
قال صاحب المنازل :
قال اللّه تعالى :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي
( 30 ) [ الفجر : الآيات 27 - 30 ] لم يدع في هذه الآية للمتسخط إليه سبيلا . وشرط القاصد الدخول في الرضى . و « الرضى » اسم للوقوف الصادق ، حيثما وقف العبد . لا يلتمس متقدّما ولا متأخّرا ، ولا يستزيد مزيدا . ولا يستبدل حالا . وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص . وأشقها على العامة » .
أما قوله : « لم يدع في هذه الآية للمتسخط إليه سبيلا » فلأنه قيّد رجوعها إليه سبحانه بحال . وهو وصف الرضى . فلا سبيل إلى الرجوع إليه مع سلب ذلك الوصف عنها . وهذا نظير قوله تعالى :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 32 ) [ النّحل : 32 ] فإنما أوجب لهم هذا السلام من الملائكة والبشارة بقيد ، وهو وفاتهم طيبين . فلم تبق الآية لغير الطيب سبيلا إلى هذه البشارة .
والحاصل : أن الدخول في الرضى شرط في رجوع النفس إلى ربها . فلا ترجع إليه إلا إذا كانت راضية .