الآية قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه للصحابة رضي اللّه عنهم « فيمن ترون هذه الآية نزلت ؟
فقالوا : اللّه أعلم . فغضب عمر ، وقال : قولوا : نعلم ، أو لا نعلم . فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين . قال : يا ابن أخي قل . ولا تحقرنّ نفسك . قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل . قال عمر : أي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل . قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة اللّه .
فبعث اللّه إليه الشيطان . فعمل بالمعاصي حتى أغرق جميع أعماله » .
قال : « وإشفاق على الخليقة لمعرفة معاذيرها » .
هذا قد يوهم نوع تناقض . فإنه كيف يشفق مع معرفة العذر ؟ وليس بمتناقض . فإن الإشفاق - كما تقدم - خوف مقرون برحمة . فيشفق عليهم من جهة مخالفة الأمر والنهي ، مع نوع رحمة ، بملاحظة جريان القدر عليهم .
قال : « الدرجة الثانية : إشفاق على الوقت : أن يشوبه تفرق » .
أي يحذر على وقته : أن يخالطه ما يفرقه عن الحضور مع اللّه عزّ وجلّ .
قال : « وعلى القلب : أن يزاحمه عارض » .
والعارض المزاحم : إما فترة ، وإما شبهة ، وإما شهوة . وكل سبب يعوق السالك .
قال : « وعلى اليقين : أن يداخله سبب » .
هو الطمأنينة إلى من بيده الأسباب كلها ، فمتى داخل يقينه ركون إلى سبب وتعلق به ، واطمأن إليه : قدح ذلك في يقينه . وليس المراد : قطع الأسباب عن أن تكون أسبابا ، والإعراض عنها ، فإن هذا زندقة وكفر ومحال . فإن الرسول سبب في حصول الهداية والإيمان . والأعمال الصالحة سبب لحصول النجاة ودخول الجنة . والكفر سبب لدخول النار . والأسباب المشاهدة أسباب لمسبباتها ، ولكن الذي يريد أن يحذر منه : إضافة يقينه إلى سبب غير اللّه ، ولا يتعلق بالأسباب بل يفنى بالمسبب عنها .
والشيخ مما يبالغ في إنكار الأسباب ، ولا يرى وراء الفناء في توحيد الربوبية غاية ، وكلامه في الدرجة الثالثة في معظم الأبواب : يرجع إلى هذين الأصلين ، وقد عرفت ما فيهما ، وأن الصواب خلافهما . وهو إثبات الأسباب والقوى . وأن الفناء في توحيد الربوبية « 1 » ليس هو غاية الطريق . بل فوقه ما هو أجل منه وأعلى وأشرف .
ومن هاتين القاعدتين عرض في كتابه من الأمور التي أنكرت عليه ما عرض .
قال : « الدرجة الثالثة : إشفاق يصون سعيه عن العجب . ويكف صاحبه عن مخاصمة الخلق . ويحمل المريد على حفظ الجدّ » .
الأول : يتعلق بالعمل . والثاني : بالخلق . والثالث : بالإرادة . وكل منها له ما يفسده .
هامش
( 1 ) ليس توحيد الصوفية هو توحيد الربوبية الذي جاء في القرآن تقرير المشركين به . وإنما عندهم : أن ربهم هو الخلية ، أو النواة الأولى والمادة التي نبت منها كل الوجود . كما يقول ابن عربي « وما الكون إلا ولد . واللّه والده » وهذه هي الوحدة التي يقوم عليها دين الصوفية المنحرفون عن صراط اللّه المستقيم .