هو الناسك حقا » وقال الفضيل بن عياض : كان يكره أن يري الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه . وقال حذيفة رضي اللّه عنه : « أول ما تفقدون من دينكم الخشوع . وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة . وربّ مصلّ لا خير فيه . ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعا » وقال سهل : من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان .
تعريف الخشوع
قال صاحب المنازل :
« الخشوع : خمود النفس ، وهمود الطباع لمتعاظم ، أو مفزع » .
يعني : انقباض النفس والطبع وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمة ومهابة ، أو لما يفزع منه القلب .
والحق : إن « الخشوع » معنى يلتئم من التعظيم ، والمحبة ، والذل والانكسار .
قال : « وهو على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : التذلل للأمر ، والاستسلام للحكم ، والاتضاع لنظر الحق » .
التذلل للأمر : تلقيه بذلّة القبول والانقياد والامتثال . ومواطأة الظاهر الباطن ، مع إظهار الضعف ، والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل ، والإعانة عليه حال الفعل ، وقبوله بعد الفعل .
وأما الاستسلام للحكم : فيجوز أن يريد به : الحكم الديني الشرعي . فيكون معناه : عدم معارضته برأي أو شهوة . ويجوز أن يريد به : الاستسلام للحكم القدري . وهو عدم تلقيه بالتسخط والكراهة والاعتراض .
والحق : إن « الخشوع » هو الاستسلام للحكمين ، وهو الانقياد بالمسكنة والذل لأمر اللّه وقضائه .
وأما الاتضاع لنظر الحق : فهو اتضاع القلب والجوارح ، وانكسارها لنظر الرب إليها ، واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح . وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
( 46 ) [ الرّحمن : 46 ] وقوله
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
( 40 ) [ النّازعات : 40 ] وهو مقام الرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية .
فخوفه من هذا المقام : يوجب له خشوع القلب لا محالة . وكلما كان أشد استحضارا له كان أشد خشوعا . وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطلاع اللّه عليه ، ونظره إليه .
والتأويل الثاني : أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه .
فعلى الأول : يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل .
وعلى الثاني : - وهو أليق بالآية - يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف . واللّه أعلم .
قال : « الدرجة الثانية : ترقب آفات النفس والعمل ، ورؤية فضل كل ذي فضل عليك ، وتنسم نسيم الفناء » .
يريد : انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبها لك . فإنه يجعل القلب خاشعا لا محالة ، لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما : من الكبر ، والعجب ، والرياء ، وضعف