الصدق ، وقلة اليقين ، وتشتت النية ، وعدم تجرد الباعث من الهوى النفساني ، وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك ، وغير ذلك من عيوب النفس ، ومفسدات الأعمال .
وأما رؤية فضل كل ذي فضل عليك : فهو أن تراعي حقوق الناس فتؤديها ، ولا ترى أن ما فعلوه من حقوقك عليهم ، فلا تعاوضهم عليها . فإن هذا من رعونات النفس وحماقاتها ، ولا تطالبهم بحقوق نفسك ، وتعترف بفضل ذي الفضل منهم ، وتنسى فضل نفسك .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : العارف لا يرى له على أحد حقا ، ولا يشهد له على غيره فضلا . ولذلك لا يعاتب ، ولا يطالب ، ولا يضارب .
وأما تنسم نسيم الفناء : فلما كان الفناء عنده غاية ، جعل هذه الدرجة كالنسيم لرقته . وعبر عنها بالنسيم للطف موقعه من الروح ، وشدة تشبثها به . ولا ريب أن الخشوع سبب موصل إلى الفناء ، فاضله ومفضوله .
قال : « الدرجة الثالثة : حفظ الحرمة عند المكاشفة ، وتصفية الوقت من مراءاة الخلق ، وتجريد رؤية الفضل » .
أما حفظ الحرمة عند المكاشفة : فهو ضبط النفس بالذل والانكسار ، عن البسط والإدلال ، الذي تقتضيه المكاشفة . فإن المكاشفة توجب بسطا . ويخاف منه شطح ، إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة .
وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق : فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء . فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك .
وإنما المراد : أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده ، كخشوعه وذله وانكساره ، لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ، ورؤيتهم لها . فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع اللّه . وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك ؟ والمعصوم من عصمه اللّه . فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل ، وأنه لا شيء . وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدّعي الشرف فيه .
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره . وكان يقول كثيرا : ما لي شيء ، ولا مني شيء ، ولا فيّ شيء . وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت :
أنا المكدّي وابن المكدي * وهكذا كان أبي وجدي
وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول : واللّه إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت . وما أسلمت بعد إسلاما جيدا .
وبعث إليّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه . وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه :
أنا الفقير إلى رب البريات * أنا المسيكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي . وهي ظالمتي * والخير إن يأتنا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة * ولا عن النفس لي دفع المضرات
وليس لي دونه مولى يدبّرني * ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي