تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨

إيقاع الحمد على مضمون هذه الأسماء

في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد ، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها : ما يدل على أنه محمود في إلهيته ، محمود في ربوبيته ، محمود في رحمانيته ، محمود في ملكه ، وأنه إله محمود ، ورب محمود ، ورحمان محمود ، وملك محمود . فله بذلك جميع أقسام الكمال : كمال من هذا الاسم بمفرده ، وكمال من الآخر بمفرده ، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر . مثال ذلك : قوله تعالى :
وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
[ التغابن : 6 ]
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[ النّساء : 26 ]
وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ الممتحنة : 7 ] فالغنى صفة كمال . والحمد صفة كمال ، واقتران غناه بحمده كمال أيضا . وعلمه كمال ، وحكمته كمال ، واقتران العلم بالحكمة كمال أيضا . وقدرته كمال ومغفرته كمال ، واقتران القدرة بالمغفرة كمال ، وكذلك العفو بعد القدرة
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً
[ النّساء : 43 ] واقتران العلم بالحلم
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
[ النّساء : 12 ] . وحملة العرش أربعة : اثنان يقولان « سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على حلمك بعد علمك » واثنان يقولان « سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك » فما كل من قدر عفا ، ولا كل من عفا يعفو عن قدرة ، ولا كل من علم يكون حليما ، ولا كل حليم عالم . فما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم . ومن عفو إلى قدرة ، ومن ملك إلى حمد ، ومن عزة إلى رحمة
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( 9 ) [ الشّعراء : 9 ] ومن ههنا كان قول المسيح عليه السلام :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 118 ) [ المائدة : 118 ] أحسن من أن يقول : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم . أي إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عن عزة . وهي كمال القدرة . وعن حكمة ، وهي كمال العلم . فمن غفر عن عجز وجهل بجرم الجاني [ لا يكون قادرا حكيما عليما . بل لا يكون ذلك إلا عجزا ] « 1 » فأنت لا تغفر إلا عن قدرة تامة ، وعلم تام ، وحكمة تضع بها الأشياء مواضعها . فهذا أحسن من ذكر « الغفور الرحيم » في هذا الموضع ، الدال ذكره على التعريض بطلب المغفرة في غير حينها ، وقد فاتت . فإنه لو قال : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم . كان في هذا - من الاستعطاف والتعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقها - ما ينزه عنه منصب المسيح عليه السلام ، لا سيما والموقف موقف عظمة وجلال ، وموقف انتقام ممن جعل للّه ولدا ، واتخذه إلها من دونه . فذكر العزة والحكمة فيه أليق من ذكر الرحمة والمغفرة . وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 36 ) [ إبراهيم : 35 ، 36 ] ولم يقل : فإنك عزيز حكيم . لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء ، أي أن تغفر لهم وترحمهم ، بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد ، ومن المعصية إلى الطاعة ، كما في الحديث « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » . وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت به ، وأن كل اسم يناسب ما ذكر معه ، واقترن به ، من فعله وأمره . واللّه الموفق للصواب .
هامش
( 1 ) ما بين المربعين زدناه ليتصل الكلام .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 28 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى