وبين قوله
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) [ طه : 5 ] وقوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً
[ الفرقان : 59 ] ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب تبارك وتعالى ، إن لم يغلقه عنك التعطيل والتجهم .
وصفات العدل ، والقبض والبسط ، والخفض والرفع ، والعطاء والمنع ، والإعزاز والإذلال ، والقهر والحكم ، ونحوها : أخص باسم « الملك » وخصه بيوم الدين ، وهو الجزاء بالعدل ، لتفرده بالحكم فيه وحده ، ولأنه اليوم الحق ، وما قبله كساعة . ولأنه الغاية ، وأيام الدنيا مراحل إليه .
ارتباط الخلق والأمر بأسمائه : اللّه - الرب - الرحمن
وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة . وهي « اللّه ، والرب ، والرحمن » كيف نشأ عنها الخلق ، والأمر ، والثواب ، والعقاب ؟ وكيف جمعت الخلق وفرقتهم ؟ فلها الجمع .
ولها الفرق .
فاسم « الرب » له الجمع الجامع لجميع المخلوقات . فهو رب كل شيء وخالقه ، والقادر عليه ، لا يخرج شيء عن ربوبيته . وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته ، وتحت قهره . فاجتمعوا بصفة الربوبية ، وافترقوا بصفة الإلهية ، فألّهه وحده السعداء ، وأقروا له طوعا بأنه اللّه الذي لا إله إلا هو ، الذي لا تنبغي العبادة والتوكل ، والرجاء والخوف ، والحب والإنابة والإخبات والخشية ، والتذلل والخضوع إلا له .
وهنا افترق الناس ، وصاروا فريقين : فريقا مشركين في السعير ، وفريقا موحدين في الجنة .
فالإلهية هي التي فرقتهم ، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم .
فالدين والشرع ، والأمر والنهي - مظهره ، وقيامه - : من صفة الإلهية . والخلق والإيجاد والتدبير والفعل : من صفة الربوبية . والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار : من صفة الملك .
وهو ملك يوم الدين . فأمرهم بإلهيته . وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته . وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله . وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى .
وأما الرحمة : فهي التعلق ، والسبب الذي بين اللّه وبين عباده . فالتأليه منهم له ، والربوبية منه لهم . والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده ، بها أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه . وبها هداهم . وبها أسكنهم دار ثوابه . وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم . فبينهم وبينه سبب العبودية ، وبينه وبينهم سبب الرحمة .
واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته . ف
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) [ طه : 5 ] مطابق لقوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( 3 ) [ الفاتحة : 2 ، 3 ] فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول الرحمة وسعتها . فوسع كل شيء برحمته وبربوبيته ، مع أن في كونه ربا للعالمين ما يدل على علوه على خلقه ، وكونه فوق كل شيء ، كما يأتي بيانه إن شاء اللّه .