فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين . وأعط كل ذي حقّ حقّه ، ولا تجعل الزغل والخالص شيئا واحدا .
المرتبة الخامسة : مرتبة الإفهام . قال اللّه تعالى :
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ( 87 ) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
[ الأنبياء : 78 ، 79 ] فذكر هذين النبيين الكريمين ، وأثنى عليهما بالعلم والحكم . وخص سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعينة . وقال علي بن أبي طالب - وقد سئل « هل خصكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيء دون الناس ؟ » - فقال « لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة ، إلا فهما يؤتيه اللّه عبدا في كتابه ، وما في هذه الصحيفة . وكان فيها العقل ، وهو الديات ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر » وفي كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري رضي اللّه عنهما « والفهم الفهم فيما أدلي إليك » فالفهم نعمة من اللّه على عبده ، ونور يقذفه اللّه في قلبه . يعرف به ، ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه ، فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره ، مع استوائهما في حفظه . وفهم أصل معناه .
فالفهم عن اللّه ورسوله عنوان الصديقية ، ومنشور الولاية النبوية ، وفيه تفاوتت مراتب العلماء ، حتى عدّ ألف بواحد . فانظر إلى فهم ابن عباس ، وقد سأله عمر ، ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
( 1 ) [ النّصر : 1 ] وما خص به ابن عباس من فهمه منها « أنها نعي اللّه سبحانه نبيه إلى نفسه » وإعلامه بحضور أجله ، وموافقة عمر له على ذلك ، وخفائه عن غيرهما من الصحابة ، وابن عباس إذ ذاك أحدثهم سنا . وأين تجد في هذه السورة الإعلام بأجله ، لولا الفهم الخاص ؟ ويدقّ هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس ، فيحتاج مع النص إلى غيره . ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه . وأما في حق صاحب الفهم : فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها .
المرتبة السادسة : مرتبة البيان العام . وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه . بحيث يصير مشهودا للقلب ، كشهود العين للمرئيات .
وهذه المرتبة هي حجة اللّه على خلقه ، التي لا يعذب أحدا ولا يضله إلا بعد وصوله إليها .
قال اللّه تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
[ التّوبة :
115 ] فهذا الإضلال عقوبة منه لهم ، حين بين لهم ، فلم يقبلوا ما بينه لهم ، ولم يعملوا به .
فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى ، وما أضل اللّه سبحانه أحدا قط إلا بعد هذا البيان .
وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر ، وزالت عنك شكوك كثيرة ، وشبهات في هذا الباب .
وعلمت حكمة اللّه في إضلاله من يضله من عباده . والقرآن يصرح بهذا في غير موضع ، كقوله
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ الصّف : 5 ]
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ النّساء :
155 ] فالأول : كفر عناد . والثاني : كفر طبع ، وقوله :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 110 ) [ الأنعام : 110 ] فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه ، بأن قلّب أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا له .
فتأمل هذا الموضع حق التأمل . فإنه موضع عظيم .
وقال تعالى :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصّلت : 17 ] فهذا هدى بعد