التائب ؟ وما الفرق بين هذه الآية وبين قوله
* قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[ الزمر : 53 ] .
فالجواب : أن كل واحدة من الآيتين لطائفة ، فآية النساء :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النّساء : 48 ] هي لغير التائبين في القسمين .
والدليل عليه : أنه فرق بين الشرك وغيره في المغفرة ، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام : أن الشرك يغفر بالتوبة ، وإلا لم يصح إسلام كافر أبدا .
وأيضا فإنه خصص مغفرة ما دون الشرك بمن يشاء ، ومغفرة الذنوب للتائبين عامة لا تخصيص فيها ، فخصص وقيد . وهذا يدل على أنه حكم غير التائب .
وأما آية الزمر
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
[ الزمر : 58 ] فهي في حق التائب ، لأنه أطلق وعمم ، فلم يخصها بأحد ، ولم يقيدها بذنب ، ومن المعلوم بالضرورة : أن الكفر لا يغفره . وكثير من الذنوب لا يغفرها . فعلم أن هذا الإطلاق والتعميم في حق التائب . فكل من تاب من أي ذنب كان : غفر له « 1 » .
وأما الحديث الآخر « لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، أتيتك بقرابها مغفرة » فلا يدل على أن ما عدا الشرك كله صغائر ، بل يدل على أن من لم يشرك باللّه شيئا فذنوبه مغفورة كائنة ما كانت . ولكن ينبغي أن يعلم ارتباط إيمان القلوب بأعمال الجوارح ، وتعلقها بها ، وإلا لم يفهم مراد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ويقع الخلط والتخبيط .
التوحيد
فاعلم أن هذا النفي العامّ للشرك - أن لا يشرك باللّه شيئا البتة - لا يصدر من مصرّ على معصية أبدا ، ولا يمكن مدمن الكبيرة والمصرّ على الصغيرة أن يصفو له التوحيد ، حتى لا يشرك باللّه شيئا . هذا من أعظم المحال . ولا يلتفت إلى جدليّ لا حظّ له من أعمال القلوب . بل قلبه كالحجر أو أقسى ، يقول : وما المانع ؟ وما وجه الإحالة ؟ ولو فرض ذلك واقعا لم يلزم منه محال لذاته ! .
فدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله . واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير اللّه . ورجائه لغير اللّه ، وحبه لغير اللّه ، وذله لغير اللّه ، وتوكله على غير اللّه : ما يصير به منغمسا في بحار الشرك . والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه ، إن كان له عقل .
فإن ذلّ المعصية لا بد أن يقوم بالقلب فيورثه خوفا من غير اللّه . وذلك شرك . ويورثه محبة لغير اللّه ، واستعانة بغيره في الأسباب التي توصله إلى غرضه . فيكون عمله لا باللّه ولا للّه ، وهذا حقيقة الشرك .
نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل ، وعبّاد الأصنام . وهو توحيد الربوبية . وهو الاعتراف
هامش
( 1 ) وهي مشروطة بالآيات بعدها قال تعالى :وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ- إلى قوله -بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ.