مقدمة الزنى ، فهو من الصغائر ، فالصغائر : من جنس المقدمات ، والكبائر : من جنس المقاصد والغايات .
وأما من قال « ما يستصغره العباد فهو كبائر . وما يستكبرونه فهو صغائر » فإن أراد : أن الفرق راجع إلى استكبارهم واستصغارهم ، فهو باطل . فإن العبد يستصغر النظرة ، ويستكبر الفاحشة .
وإن أراد : أن استصغارهم للذنب يكبره عند اللّه ، واستعظامهم له يصغره عند اللّه ، فهذا صحيح . فإن العبد كلما صغرت ذنوبه عنده كبرت عند اللّه ، وكلما كبرت عنده صغرت عند اللّه .
والحديث إنما يدل على هذا المعنى . فإن الصحابة - لعلوّ مرتبتهم عند اللّه وكمالهم - كانوا يعدون تلك الأعمال موبقات . ومن بعدهم - لنقصان مرتبتهم عنهم . وتفاوت ما بينهم - صارت تلك الأعمال في أعينهم أدق من الشعر .
وإذا أردت فهم هذا فانظر : هل كان في الصحابة من إذا سمع نص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عارضه بقياسه ، أو ذوقه ، أو وجده ، أو عقله ، أو سياسته ؟ وهل كان قط أحد منهم يقدم على نص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عقلا أو قياسا ، أو ذوقا ، أو سياسة ، أو تقليد مقلّد ؟ فلقد أكرم اللّه أعينهم وصانها أن تنظر إلى وجه من هذا حاله ، أو يكون في زمانهم . ولقد حكم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه على من قدّم حكمه على نص الرسول بالسيف . وقال « هذا حكمي فيه » فياللّه ! كيف لو رأى ما رأينا ، وشاهد ما بلينا به من تقديم رأي كل فلان وفلان على قول المعصوم ، صلى اللّه عليه وسلم ، ومعاداة من اطّرح آراءهم ، وقدم عليها قول المعصوم ؟ فاللّه المستعان ، وهو الموعد . وإليه المرجع .
وقيل : الكبائر : الشرك وما يؤدي إليه . والصغائر : ما عدا الشرك من ذنوب أهل التوحيد .
واحتج أرباب هذه المقالة بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النّساء : 48 ] .
واحتجوا بقوله صلى اللّه عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى - « ابن آدم ، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا : أتيتك بقرابها مغفرة » .
واحتجوا أيضا بالحديث الذي روي مرفوعا وموقوفا « الظلم ثلاثة دواوين ، ديوان لا يغفر اللّه منه شيئا ، وهو الشرك ، وديوان لا يترك اللّه منه شيئا ، وهو ظلم العباد بعضهم بعضا ، وديوان لا يعبأ به اللّه شيئا ، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه » .
فهذا جملة ما احتج به أرباب هذه المقالة . ولا حجة لهم في شيء منه .
أما الآية : فإن غايتها التفريق بين الشرك وغيره ، لأن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة منه ، وأما ما دون الشرك : فهو موكول إلى مشيئة اللّه ، وهذا يدل على أن المعاصي دون الشرك ، وهذا حق .
فإن أراد أرباب هذا القول هذا : فلا نزاع فيه ، وإن أرادوا أن كل ما دون الشرك : فهو صغيرة في نفسه ، فباطل .
فإن قيل : فإذا كان الشرك وغيره مما تأتي عليه التوبة . فما وجه الفرق بين الشرك وما دونه ؟ وهل هما في حق التائب ، أم غير التائب ؟ أم أحدهما في حق التائب والآخر في حق غير