ومعلوم أن هذا الديوان مشتمل على الكبائر والصغائر ، لكن مستحقه أكرم الأكرمين . وما يعفو عنه من حقه ويهبه أضعاف أضعاف ما يستوفيه ، فأمره أسهل من الديوان الذي لا يترك منه شيئا لعدله . وإيصال كل حق إلى صاحبه .
وقال مالك بن مغول : الكبائر ذنوب أهل البدع ، والسيئات ذنوب أهل السنة .
قلت : يريد أن البدعة من الكبائر ، وأنها أكبر من كبائر أهل السنة . فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع ، وهذا معنى قول بعض السلف : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية .
لأن البدعة لا يتاب منها ، والمعصية يتاب منها .
وقيل : الكبائر ذنوب العمد ، والسيئات : الخطأ والنسيان ، وما أكره عليه ، وحديث النفس ، المرفوعة عن هذه الأمة .
قلت : هذا من أضعف الأقوال طردا وعكسا ، فإن الخطأ والنسيان والإكراه لا يدخل تحت جنس المعاصي ، حتى يكون أحد قسميها .
والعمد نوعان : نوع كبائر ، ونوع صغائر . ولعل صاحب هذا القول يرى : أن الذنوب كلها كبائر ، وأن الصغائر ما عفا اللّه لهذه الأمة عنه ، ولم يدخل تحت التكليف ، وهذا غير صحيح .
فإن الكبائر والصغائر نوعان تحت جنس المعصية ، ويستحيل وجود النوع بدون جنسه .
وقيل : الكبائر ذنوب المستحلّين ، مثل ذنب إبليس . والصغائر : ذنوب المستغفرين ، مثل ذنب آدم .
قلت : أما المستحل : فذنبه دائر بين الكفر والتأويل ، فإنه إن كان عالما بالتحريم فكافر ، وإن لم يكن عالما به فمتأول أو مقلد ، وأما المستغفر : فإن استغفاره الكامل يمحو كبائره وصغائره . فلا كبيرة مع الاستغفار .
فهذا الفرق ضعيف أيضا . إلا أن يكون مراد صاحبه : أن ما يفعله المستحل من الذنب أعظم عقوبة مما يفعله المعترف بالتحريم ، النادم على الذنب ، المستغفر منه . وهذا صحيح .
وقال السّدّي : الكبائر ما نهى اللّه عنه من الذنوب الكبار ، والسيئات مقدماتها ، وتوابعها مما يجتمع فيه الصالح والفاسق ، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها . واحتج بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« العينان تزنيان ، والرجلان تزنيان ، ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه » .
وقيل : الكبائر ما يستصغره العباد ، والصغائر : ما يستعظمونه ، فيخافون مواقعته ، واحتج أرباب هذه المقالة بما روى البخاري في « صحيحه » عن أنس رضي اللّه عنه قال : « إنكم لتعملون أعمالا ، هي أدقّ في أعينكم من الشعر ، كنا نعدّها على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الموبقات » .
قلت : أما قول السدّي : « الكبائر ما نهى اللّه عنه من الذنوب الكبار » فبيان للشيء بنفسه ، فإن الذنوب الكبار : هي الكبائر . وإنما مراده : أن المنهي عنه قسمان . أحدهما : ما هو مشتمل على المفسدة بنفسه ، ونفس فعله منشأ المفسدة . فهذه كبيرة ، كقتل النفس والسرقة ، والقذف والزنى .
الثاني : ما كان من مقدمات ذلك ومباديه ، كالنظر واللمس ، والحديث والقبلة ، الذي هو
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 203
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٠٣