البعد :
« وهو الإقامة على المخالفات » .
المخالفة من أحكام ما به الافتراق ، والطاعة من أحكام ما به الاجتماع . والبعد افتراق ، والقرب اجتماع .
وقد يكون البعد باعتبار النعوت الذاتية ، كافتراق الأشياء ، وتحيزها بالحدود الذاتية ، وهذا هو البعد الأبعد ، ومن ذلك :
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران :
97 ] .
إذ لا جامع بين ذات الغني بالذات ، وبين الذوات المفتقرة بالذات ، وقد يكون بالنعوت العرضية ؛ كالمكان ، والزمان ، والمقدار ، والألوان .
« وقد يكون البعد منك » ، فلا يزول هذا البعد إلا من باب ، دع نفسك وتعالى ، فإن من ترك نفسه بعد عنها .
وتركها إنّما هو بترك أوصافها ، وأخلاقها المبعدة إياها عن مقصدها ، ولا يترك أوصافها ، وأخلاقها إلا عند اتصافها وتخلقها بالأخلاق الإلهية وصفاتها التي هي ماهية الاجتماع .
ويختلف البعد « باختلاف الأحوال » المبعدة على النفس ، فإنها إذا قامت المخالفة على ظاهرها ، وكذلك إن قامت على باطنها ، لأن حال باطنها ، « قد يدل على ما يراد به » ، أي باختلاف الأحوال عليها .
« قرائن الأحوال ، كما قال اللّه تعالى :
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ
[ آل عمران : 52 ] .
يعني أحس قرائن كفرهم ، فإن الكفر أمر معنوي لا يتعلق به الإحساس ، « وكذلك » يختلف « القرب » باختلاف الأحوال على النفس .
الحقيقة :
« سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه » .
ومن آثارها تقيّدك وتلبّسك بها ، فالسلب إنما يتوجه إلى آثار الأوصاف ، لا إلى الأوصاف ، فإن وجودك عين وجوده ، وأوصافك عين أوصافه ، وهو أحدية جمع كثرتها ، « فإنه الفاعل بك فيك منك لا أنت » .