والمحو في الكامل ، إنما في باطنه ، دون ظاهره ، فإن ظاهره متلبس بالعادة .
وباطنه غير مقيد بها ، ومن العادة الركون إلى الأسباب ، فبالمحو يكون الركون ، وتبقى الأسباب جارية على حكمها في مجالها .
« وقيل : المحو : « إزالة العلة » المؤثرة في القلب ، القادحة في طريق وصوله إلى الحق ، المورث بقاؤها : الوقفة ، والفترة ، وربما يراد بها أنانية العارف ، فإنها علة لمعرفة اللّه تعالى ، فإن زالت عينها زالت معرفته .
فمحو العلة هنا محو رؤيتها ، ومحو الوقوف مع تأنيها في تحصيل المعرفة ، لا محو عينها ، ألا ترى كيف نفى الحق تعالى الرمي منه صلى اللّه عليه وسلّم بقوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] .
مع كون الرمي في رأي العين إنما كان من يده المباركة صلى اللّه عليه وسلّم فإنه حالتئذ كان ممحوا عن رؤية ذاته ، وكونها علة للرمي الظاهر منها .
« وقيل : ما ستره الحق ، ونفاه » عنك ، بما يرد عليك من جهة الحق ، أو الكون ، فيفيدك بآثاره وأحكامه ، فيمنعك عن التحقيق بالحق في بينونة تستوي معها أقطار الوجود .
إفاقة الإثبات :
« إقامة أحكام العادة » .
وهي ما عليه أشخاص الكون من الأمور الطبيعية والعادية ، فلا يدفعها الواصل إلى الحق المتحقق بالكمال إلّا بأمره تعالى ، على لسان نبيه الآمر صلى اللّه عليه وسلم ، فليس له أن يثبتها بإثبات الحق إياها ، ويرفعها برفعه ، فصاحب الإثبات دائم مع الحق ، فإن له مع كل عادة تثبته مواصلة ، ومشاهدة بحسبه ، ولذلك قال قدّس سره :
« وقيل : إثبات الموصّلات » في كل ما وضعه الحق من العبادات وأثبته في الكون على نسق الحكمة .
* * *