بربع عشره فيما لاحظ فيه لنفسه ، بل طلبا لمرضاة ربه ، في الجهة التي أذن وأمره بالبذل فيها ، لئلا تستغرقه محبة الباطل وتشغله عن المحبوب الحق عز شأنه ، فكفر عن عبده ببذله لهذا القدر من ماله باقي ما تخلف منه في يده .
وهكذا لما علم سبحانه ضعف العبد عن دوام التشبه بعالم قدسه ، ومن دوام الاتصال بحضرة إلهية ، وهجره لمقتضيات وهمه وحسه ، فرض عليه صوم شهر واحد من سنته لعلمه بضعفه عن استغراق الصوم أيام عمره ، ففرض عليه هذا الشهر لئلا يستهلك لطيفة روحانيته في كثيف جسمانيته ، فيمتنع بذلك عن الدخول في الروحانيين المعتكفين على حظيرة قدسه .
فكفر عن عبده بإمساكه عن مشتهياته من الأكل والشرب والنكاح في هذه المدة المعينة باقي أيام عمره ، وهكذا لما علم تعالى ضعف عبده عن التجريد والتفريد بالكلية ، وخروجه عن أوطانه ، وهجره لأهله وإخوانه ، فرض عليه عند استطاعته لزيارة بيته أن يزوره مرة واحدة في عمره ، وذلك لئلا يستغرقه حب الأهل والاشتغال بهم عن ربه عز وجل .
قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
( المنافقون : 9 ) [ 101 و ] فصار العبد بذلك من أهل الهجرة إلى ربه ، والسفر إلى حضرات قدسه ، فكفر اللّه عنه بالقصد إلى زيارته مرة واحدة في عمره ، ما بقي منه وما فاته فيه من الهجرة عن الأوطان ، وهجر الأهل والخلان حبّا لربه .
واعلم أنه تعالى لولا أنه لم يعين فرائضه على عباده لما صحت منهم عبادة ، لأنه لافتراضه تميز المطيع الممتثل للأمر ممن ليس كذلك ، ولئلا يكون الإنسان جاهلا بما هو فرض عليه ، فمهما فعل فإنه لا يعرف بأنه ممن وفّى بالعبودية لربه .