وإنّما كان « علّة الشوق في مذهب هذه الطائفة عظيمة » « أ » لأنّ بناء مذهبهم على أنّ اللّه « 1 » على كلّ شيء شهيد - أي حاضر لا يغيب عن شيء أصلا - وبداية أمرهم هو الفناء « 2 » في الأفعال ، ثمّ في الصفات ، وينتهي إلى الفناء في الذات ؛ والفناء يستلزم المشاهدة ، لأنّ فناء الأفعال يستلزم تجلّي الفعّال لما يريد ، وهو شهود الحقّ تعالى في الصفة الفعاليّة ؛ فأوّل دينهم ومبدء أمرهم قائم على المشاهدة ، فهو لا يخلو من « 3 » هذا المرض الذي يخالف نصوص القرآن من حضور الحقّ لكلّ شيء ومعيّته للكلّ - لا بالمقارنة - فلذلك لم ينطق القرآن باسمه .
لكنّه أعلى من « 4 » مقام العباد « 5 » ، فإنّه مبنيّ على المحبّة ، ويقتضي السلوك والترقّي مع الاحتجاب - لا الوقوف من الحجاب كحال العابد ، فإنّه واقف وراء الحجاب ، لا قاصد « 6 » خرقه كالمشتاق .
- [ م ] ثمّ هو على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : شوق العابد إلى الجنّة ليأمن الخائف ، ويفرح الحزين ، ويظفر الآمل .
هامش
( 1 ) ه : + تعالى .
( 2 ) د : فناء .
( 3 ) ب ، ج : عن .
( 4 ) د : - من .
( 5 ) ب ، ج : العبادة .
( 6 ) د : لا قصد .
( أ ) أورد ابن القيّم على هذا الكلام ( مدارج : 3 / 56 ) بأن أوّلا : المشاهدة لا تزيل الشوق ، بل تزيده .
والجواب عنه واضح يظهر بالتأمّل في معنى الشوق والمشاهدة .
وثانيا : أن لا مشاهدة أكمل من مشاهدة أهل الجنّة ، وهم إلى يوم المزيد - وهو يوم الجمعة - أشوق شيء .
والجواب : أنّه لو كان مشاهدتهم أكمل المشاهدات لما أمكن المزيد عليه كما اعترف .
وثالثا : أنّه لا سبيل في الدنيا إلى مشاهدة تزيل الشوق ألبتّة .
والجواب بعد التسليم : أنّه لا ينتفي بذلك علّة الشوق ، وهي موجودة مهما وجد الشوق .