ولغة هذا النطق هي اللغة التي يتكلّم بها الحقّ في قلوب خواصّ عباده ، ليتعرّف إليهم ، ويتعرّف بهم إلى قلوب المحجوبين ، بتنزّلهم عن لغة الأزل المحض إلى لسان فهومهم ومبالغ عقولهم - وهو التمثيل - ليمثّلوا لهم تمثيلا بأمثلة تناسب فهومهم « 1 » ليعرفوه على قدر استعدادهم .
لأنّ اللّه تعالى أوجب عليهم أن يعلّموا الناس ، ولا يمكنهم التعليم الواجب عليهم بلغة الأزل ، التي هي لسان الحقّ ، الذي يتكلّم به في قلوبهم بحكمته ، فينزل اللّه تعالى عن حضرات قلوبهم - التي هي بيوته - إلى حضرات خيالاتهم ، ويمثّل تلك الحكم والمعاني بأمثلة تليق بمبالغ فهومهم ، ويتكلّم بلسانهم مع أممهم وأتباعهم .
فيقف علماء الرسوم عند تلك الأمثلة ، وعلماء المعقول عند معقولهم ، لتقيّدهم « 2 » بإدراك العقول ، فلا يتيسّر لإحدى الطائفتين فهم هذه اللغة التي يتكلّم بها الحقّ في قلوب العارفين .
فلهذا « 3 » قال : « وللإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها » ، فإنّ العقول تحار فيها ، فما ظنّك بالأوهام والحواسّ .
فلا يفهم الإشارة « 4 » إلى غيب الغيوب إلّا أهل اللّه ، خاصّة الخاصّة .
قال اللّه تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً
[ 72 / 26 - 27 ] .
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
أي من جهة الشهود والتلقّي من الحقّ ،
وَمِنْ خَلْفِهِ
من جهة العقل والحسّ ، التي تولّى عنها في التداني والتلقّي من الحقّ عند التدلّي والتنزّل إلى مبالغ عقول الامّة للتبليغ والتعليم والتفهيم .
هامش
( 1 ) ب ، ج : فهمهم .
( 2 ) م : ليقيدهم . النسخ الاخر مهملة .
( 3 ) ه : فلذا .
( 4 ) د : + العقول .