وبين تعالى فظاعة هذا القتل بقوله : أولدكم ، بإضافة الأولاد إليهم ، فإن الأولاد أفلاذ الأكباد ، وقطعة من لحم المرء ودمه ، ونسخة من ذاته ، فمحبتهم فطرة ، والعطف التام عليهم خلقة ، فيكف يكون قبح وفظاعة فعل من بلغ بهم القتل ! ؟
وأي خير يرجى من قاتل ولده لغيره من الناس ، بعد ما جنى أفظع الجنايات على ألصق الناس به ؟ ؟ !
وبين تعالى سوء العاقبة لهذا القتل بقوله :
إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ،
أي : إثما كبيرا لما فيه من قتل النفس ، وقطع النسل ، وهلاك الجنس ، وخراب العمران ، وسوء الظن باللّه ، وعدم خشيته ، وعدم الشفقة على خلقه .
يقال : خطئ يخطأ خطئا ، إذا قصد الفعل القبيح ففعله ، وأخطأ يخطئ خطئا ، إذا قصد شيئا فأصاب غيره .
ومن مثل وعيد الآية ما ثبت في ( الصحيح ) عن ابن مسعود رضى اللّه عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل للّه ندا وهو خالقك ، قال : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك « 1 » .
عموم حكم الآية وترغيبها :
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والحكم يعم بعموم اللفظ ، كما أن ذكر سبب القتل في الآية لا يقتضى التخصيص ، لأنه ذكر لتصوير الحال الذي كانوا عليه ، فالقتل حرام لأي سبب كان .
فعل الجاهلية باق :
وهذا الفعل الذي كان في الجاهلية على الوجه المتقدم - وهو فعل مود إلى قطع النسل وخراب العمران - لا تسلم منه الأمم الأخرى في مختلف الأزمنة والبلدان :
إما بالقتل بعد الولادة .
وإما بإفساد الحمل بعد التخليق ، وهو حرام باتفاق .
وقد يكون الامتناع من التزوج .
أو بعد الإنزال في الفرج وهو العزل .
والآية كما نهت عن القتل ، قد رغبت في النسل بذكر ضمان الرزق .
فعلى المؤمن أن يسعى لذلك من طريقه المشروع ، وأن يتلقى ما يعطيه اللّه من نسل ؛ ابن أو بنت ، بفرح ، لنعمة اللّه وثقة بزرق اللّه ، وإيمان بوعده .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 8 / 492 ) ، ومسلم ( 1 / 91 ) .