لما قدمناه من لزوم أن يتطابق على الإحسان إليهما الظاهر والباطن ، ليتم البرور .
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
( 24 )
برهما بالدعاء :
مهما اجتهد الولد في الإحسان إلى أبويه فإنه لا يجازى سابق إحسانهما بأن يتوجه بسؤال الرحمة لهما من اللّه تعالى ، وهي النعمة الشاملة الخير الدنيا والآخرة إظهارا لشدة رحمته لهما ، ورغبة في وصول الخير العظيم من المولى الكريم إليهما ، واعترافا بعجزه عن مجازاتهما ، يدعو لهما هكذا في حياتهما ، وبعد مماتهما . أما في حياتهما فيدعو لهما بالرحمة سواء كانا مسلمين أم كافرين . ورحمة الكافرين بهدايتهما إلى الإسلام .
وأما بعد الموت فلا يسأل الرحمة لهما إلا إذا ماتا مسلمين ، لقوله تعالى :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
( 113 ) [ التوبة : 113 ] .
( والكاف ) في قوله تعالى :
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
( 24 ) للتعليل ، أي : رب ارحمهما لتربيتهما لي ، وجزاء على إحسانهما إلى في حالة الصغر ، حالة الضعف والافتقار .
وفي هذا الاعتراف بالجميل ، وإعلان لسابق إحسانهما العظيم ، وتوسل إلى اللّه تعالى في قبول دعائه لهما بما قدما من عمل ، لأنه وعد أنه يجزى العاملين ، وقد كانت تربيتهما لولدهما من أجل مظاهر الرحمة ، وهو قد أخبر تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم : ( أنه يرحم الراحمين ) « 1 » ، ولا أرحم - بعده تعالى - من الوالدين .
خاتمة : من بر الوالدين :
1 - أن نتحفظ من كل ما يجلب لهما سوءا من غيرنا ، فإن فاعل السبب فاعل للمسبب ، ومن هذا أن لا نسب الناس حتى لا يسبوا والدينا ، لأنا إذا سببنا الناس فسبوهما كنا قد سببناهما ، وسبهما من أكبر الكبائر :
ففي ( الصحيح ) عن عبد اللّه بن عمرو رضى اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ( إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل : يا رسول اللّه : وكيف يلعن الرجل والديه ؟
قال : يسب أبا الرجل ، فيسب أباه ، ويسب أمه ، فيسب أمه ) . « 2 »
برهما بعد موتهما :
هامش
( 1 ) هو الحديث المسلسل بالأولوية رواه أبو داود ( 4941 ) ، والترمذي ( 1989 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 16 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 338 ) ، ومسلم ( 90 ) .