تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
( 24 ) [ الإسراء : 22 ، 24 ] .
حالة الكبر :
الأمر بالإحسان إليهما عام في جميع الأحوال ، وخصصت حالة بلوغ أحدهما أو كليهما الكبر بالذكر ، لأنها حالة الضعف وشدة الحاجة ، ومظنة الملل والضجر منهما ، وضيق الصدر من تصرفاتهما ، فهما في هذه الحالة قد عادا في نهايتهما إلى ما كان ولدهما عليه في بدايته ، وليس عنده من فطرة المحبة مثل ما عندهما ، فكان بأشد الحاجة إلى التذكير بما عليه من تمام العناية بهما ، ومزيد الرعاية لهما ، وشدة التوقي والتحفظ من كل ما يمس بسوء جانبهما في هذه الحال على الخصوص ، وإن كان ذلك واجبا عليه في كل حال على العموم .
وطول بقائهما عنده في كنفه وثقل مؤونتهما عليه ، وما يكون من ضروريات الكبر والمرض مما يستقذره في بيته ، كل هذا قد يؤديه إلى الضجر والتبرم ، فيقول ما يدل على ضجره وتبرمه .
فنهى عن التفوه بأقل كلمه تدل على ذلك وهي كلمة « أفّ » بقوله تعالى :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ،
فأحرى وأولى ما فوقها .
وهذا أمر بتحمل كل ذلك منهما ، ونهى عن التضجر منهما .
ومن ضرورة مباينتهما لولدهما في السن وفي النشأة أنهما كثيرا ما يخالفانه في آرائه وأفكاره ، وقد يتناولان ما لا يحب أن تصل يداهما إليه ، وقد يسألانه للمعرفة أو للحاجة ، وكل هذا قد يؤديه إلى نهرهما ، أي : زجرهما بصياح وإغلاظ ، أو إظهار للغضب في الصوت واللفظ ، فنهى عن هذا بقوله تعالى :
وَلا تَنْهَرْهُما .
وفي هذا أمر له بالتلطف معهما في الطلب والغرض ، والدلالة على وجه الصواب في الأمر وأبواب الفعل والترك ، وبحسن التلقي بكل ما يسألان ويطلبان ، ونهى عن أي إغلاظ في اللفظ والصوت وحالة الكلام .
أدب القول :
ولما نهاه عن القول القبيح المؤذى . . . أمره بالقول اللين السهل الحسن في لفظه وفي معناه ، وفي قصده وفي منشئه ، السالم من كل عيب ومكروه بقوله تعالى :
وَقُلْ لَهُما