وأمّا أهل الدرجة الثالثة ، أعني : أخص الخواص فهم المستعدون بكمال المعرفة لسبق العناية الأزلية .
كما قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
[ الأنبياء : 101 ] .
فأخبر عن المحبة الأزلية ، وأشار إلى أنهم ما أحبّوه حتى أحبّهم هو أوّلا بمحض عنايته .
قال عبيد اللّه بن الحسن « 1 » : كانت لي جارية رومية ، وكانت في بعض الليالي نائمة عندي فانتبهت فلم أجدها ، قمت أطلبها فإذا هي ساجدة وهي تقول : اللهم بحبك لي إلا غفرت لي .
فقلت لها : لا تقولي هكذا ، بل قولي : بحبي لك .
فقالت : يا مولاي ! بحبه أخرجني من الشرك إلى الإسلام وبحبه أيقظني ، وكثير من الناس نيام .
فمحبة اللّه تعالى كانت لهم في الأزل بلا علّة ، فلما استخرجهم من ظهر آدم عليه السلام تجلّت محبته على قلوبهم فجذبتهم وأفنتهم عن أنفسهم ، فدخلوا الدنيا على تلك الصفة .
وحقيقة المحبة « 2 » : أن تفني المحب بسطوتها ، وتبقى هي بلا هو ، فإن المحبة نار لا تبقي ولا تزر .
وروي : أن قارئا قرأ بين يدي الشيخ « أبي سعيد » « 3 » قوله تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] .
فقال : إنه لا يحب إلّا نفسه ، على معنى أنه ليس في الكون إلّا هو ، وما سواه فهو من صنعه ، فالصانع إذا مدح صنعته فقد مدح نفسه فحينئذ لا تتجاوز المحبة نفسه ، فهو لا يحب إلّا نفسه .
هامش
( 1 ) عبيد اللّه بن الحسن : لم أجد له ترجمة في المصادر والمراجع التي بين يدي .
( 2 ) انظر المقدمات حول مصطلح المحبة عند الصوفية .
( 3 ) الشيخ أبو سعيد : لم أجد له ترجمة في المصادر والمراجع التي بين يدي .