ومن هذا قال « يحيى بن معاذ » « 1 » : « حقيقة المحبة لا تزيد بالبر ، ولا تنقص بالجفوة » .
ويقال : إن لمحبة العباد ثلاث درجات :
الأولى : محبة العوام ، وهي تنشأ من مطالعة المنّة ، ورؤية الإحسان ، وصاحبه يرجو الثواب ويخاف النيران .
والثانية : محبة الخواص ، وهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال « 2 » ، فحبّه على جهة التعظيم والإجلال .
كما قيل :
سأعبد اللّه لا أرجو مثوبته * لكن تعبد إعظام وإجلال
فصاحب هذه المحبة يضطر إلى طرح غير اللّه تعالى عن قلبه متعلقا بين النظر إلى جماله مرة ، وإلى جلاله أخرى .
والثالثة : محبة أخص الخواص ، وهي الغاية القصوى للعبد ، وهي
هامش
( 1 ) هو يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي ، الواعظ ، كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، خرج إلى بلخ وأقام فيها مدة ، ثم رجع إلى نيسابور ، وتوفي بها سنة 258 ه ( انظر ترجمته في : البداية والنهاية 11 / 35 ، طبقات الصوفية ص 107 ، حلية الأولياء 1 / 51 ، صفة الصفوة 4 / 71 ، الطبقات الكبرى للشعراني 1 / 94 ، الرسالة القشيرية ص 21 ، وفيات الأعيان 2 / 296 ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 14 / 208 ، شذرات الذهب 2 / 138 ، نفحات الأنس ص 166 ، الكواكب الدرية 1 / 496 ، هدية العارفين 2 / 516 ، كشف المحجوب للهوجيري ص 122 ، النجوم الزاهرة 3 / 30 ) .
( 2 ) شواهد الكمال : الشاهد عند أهل التصوف هو التجلي ، كما في بعض الرسائل ، وفي كشف اللغات يقول : الشاهد عند السالكين هو الحق باعتبار الظهور والحضور ، وذلك لأن الحق يظهر بصور الأشياء .
وفي اصطلاح الصوفية : الشاهد عبارة عما كان حاضرا في قلب الإنسان وغلب عليه ذكره ، فإن كان الغالب عليه العلم فهو شاهد العلم ، وإن كان الغالب عليه الوجد فهو شاهد الوجد ، وإن كان الغالب عليه الحق فهو شاهد الحق . ( كشاف اصطلاحات الفنون 1 / 1002 - 1003 ) .