الفصل الأول في محبة اللّه تعالى
قال اللّه تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] .
فاللّه تعالى يحبهم بحسب العناية الأولى ، لا لعلة بل لذواتهم ، والمحبون يحبونه لذاته لا لصفة من صفاته ، فإن محبة الصفات تتغير باختلاف تجلياتها .
فمن أحبّ « اللطيف » « 1 » لم تبق محبته إذا تجلّى له بصفة القهر ، ومن أحبّ « المنعم » « 2 » زالت محبته إذا تجلّى له بصفة المنتقم .
وأمّا محبة الذات فهي باقية لا تتغير باختلاف التجليات فيشكر صاحب تلك المحبة عند البلاء بل يصبر .
هامش
( 1 ) اللطيف : أي صفة اللطف في اسمه تعالى : « اللطيف » . واللّطف ، بالضم وسكون الطاء المهملة ، هو الفعل الذي يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية ، بحيث لا يؤدي إلى الإلجاء ، أي الاضطرار كبعثة الأنبياء ، فإنا نعلم بالضرورة أن الناس معها أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية .
والشيعة والمعتزلة يوجبون اللطف على اللّه تعالى ، ومعنى الوجوب عند هم استحقاق تاركه الذم ، وأهل السنة لا يقولون به ، أي بالوجوب ، وردّوا عليهم بأنا نعلم أنه لو كان في كل عصر نبي وفي كل بلد معصوم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لكان لطفا وأنتم لا توجبون ذلك على اللّه تعالى .
واللطف في اصطلاح الصوفية معناه : تربية المعشوق لعاشقه بالرفق والمواساة ، حتى يصل إلى درجة الكمال والقوة في احتمال جماله . ( انظر كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي 2 / 1406 - 1407 ) .
( 2 ) المنعم : أي صفة النعمة في اسمه تعالى : « المنعم » .