وغير الناطق ، وذكر لجميع الجمادات من الحجر والشجر والنبات والهواء ، وسائر الموجودات كبيان من نطق باللسان ، وتحريك الجوارح من الإنسان .
وكالذكر الدائم للقلب ، الذي لا يكل منه بضربانه وخفقانه ، ولا يفتر عنه ، وكذلك النائم بتردد أنفاسه في حالة نومه . وكذلك المريض حين يئنّ بكربه وألمه ، وكالأسد في زئيره ، والذئب في نعيقه ، والفرس في صهيله ، والحمار في نهيقه ، والريح بهبوبه ، والطير بلغته ، والنبات باضطرابه وحركته ، والجماد بسكونه ، والماء برعده وزجرته . كلّ يسبّح خالقه ، ويشير لموجده بالهاء المضمرة بضرورة حاله . وبإشارة مقاله « هو هو » قال اللّه :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
( 44 ) [ الإسراء : 44 ] والتسبيح هو التنزيه ، وهو الذكر المضمر الذي لا يفقه منه إلا الإشارة بإثبات وجود الواجد للموجودات الواحد القادر المنزّه عن صفات المحدثات ، سبحانه وتعالى ، قال الشاعر : [ البسيط ]
جلّ العظيم وما في الكون من أثر * ألا له ذاكر من كثرة العبر
وكلّ شيء له ذكر يحقّ له * أعني الجماد مع الحيوان والشّجر
كلّ له لغة كلّ يسبّحه * كلّ ينزّهه عن عالم الغير
هو المحيط الّذي علما أحاط بهم * ولا يحيط به شيء من الفكر
وروي أن أبا بكر الشبلي رحمه اللّه تعالى قال : لقيت جارية حبشية مولهة وهي تجيء وتسرع في مسيرها فقلت لها : يا أمة اللّه رفقا عليك والطفي بنفسك ، فقالت : « هو هو » فقلت لها : من أين أقبلت ؟ فقالت : من « هو » فقلت لها : وأين تريدين ؟ فقالت : إلى « هو » فقلت : ما تريدين من « هو » ؟ قالت : « هو » فقلت لها : ما اسمك ؟ قالت : « هو » فقلت لها : كم ذكر « هو » ؟ قالت : لا يفتر لساني عن ذكر « هو » حتى ألقى « هو » ، ثم قالت : [ البسيط ]
وحرمة الودّ ما لي عنكم عوض * وليس لي في سواكم بعدكم غرض
ومن جنوني بكم قالوا بها مرض * فقلت لا زال عنّي ذلك المرض
قال الشبلي : فقلت لها : يا أمة اللّه ما تعنين بقولك « هو » آللّه تريدين ؟