وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم في باب الإيمان عند شرحه لحديث سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم » فيه أنّ الإيمان والإسلام والإحسان تسمى كلها دينا . واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الإسلام كما حكيناه عن القاضي عياض » .
إن النصوص المتقدمة تبين لنا أن الدين الإسلامي الذي أكمله اللّه تعالى وارتضاه لنا ، ولا يقبل غيره من أحد من العالمين ، هو مجموع الإسلام والإيمان والإحسان .
وهذا يقتضي أن الإنسان المعتنق للدين الإسلامي لا يكون مسلما كاملا إلا إذا كان مسلما مؤمنا محسنا . وإذا قصر في أصل من هذه الأصول الثلاثة ، يكون بذلك قد نزل عن درجة اكتمال دينه الإسلامي الذي يعتنقه . فإذا قصر بأحد أركان الأصل الأول الذي هو الإسلام اختلّ سلوكه ، لأن الإسلام هو مظاهر سلوكية . وإذا قصّر أو أخلّ بأحد أركان الأصل الثاني الذي هو الإيمان اختلّ أو بطل اعتقاده ، لأن الإيمان علم اعتقادي تصديقي . وإذا عطل أو قصر في أحد ركني الإحسان ضعف واختل يقينه وتحققه بالإسلام والإيمان ، لأن الإحسان عبارة عن المراقبة والخشوع والخضوع للّه تعالى ليتحقق بالإسلام والإيمان .
ونتيجة للتقصير في أصل من هذه الأصول الثلاثة أو في ركن من أركانها يكون الاختلال في الغايات والثمرات ، التي هي الفوز والنجاة والسعادة في الدنيا والآخرة .
وغالب تقصير المسلمين اليوم يتعلق بالإحسان ، لذلك انخرم سلوكهم ، وفسدت عقيدتهم ، وضعفت مراقبتهم للّه تعالى ، فقلّت خشيتهم ، ونقص يقينهم ، فتهاونوا في دينهم .
وحال المسلمين هذا يستدعي تأخرهم في دنياهم ، وخذلان ربهم لهم بعدم نصرهم ، لأن الحق تعالى علّق نصره للمسلمين بنصرهم له تعالى ، وذلك يتحقق بالأخذ والعمل بمجموع دينه الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان .
ونختم كلامنا هذا بنص للإمام ابن قيم الجوزية اخترناه من كتابه القيّم ( مدارج السالكين شرح منازل السائرين ) يوضح فيه أهمية الأصل الثالث من أصول الدين الإسلامي الذي هو « الإحسان » حيث يقول : ومن منازل
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] منزلة « الإحسان » وهي لب الإيمان وروحه وكماله . وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل ، فجميعها منطوية فيها ، وكل ما قيل من أول الكتاب إلى هنا فهو من