قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنا في بعضها ، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال فكل مؤمن مسلم ، وليس كل مسلم مؤمنا . وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات ، واعتدل القول فيها ، ولم يختلف شيء منها . وأصل الإيمان التصديق ، وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد . فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون صادقا في الباطن غير منقاد في الظاهر » « 1 » .
والإحسان أعلى درجات الدين الإسلامي
وهو مراقبة اللّه تعالى في السر والعلن ، والشعور بوجوده تعالى ، فهو الكمال المتضمن للإسلام والإيمان . قال تعالى :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
[ البقرة : 112 ] فكل محسن مؤمن ومسلم وليس كل مؤمن ومسلم محسنا ، قال الإمام أبو الفتح الشهرستاني في كتابه ( الملل والنحل في الباب الأول ) : « فإذا كان الإسلام بمعنى التسليم والانقياد ظاهرا موضع الاشتراك فهو المبدأ . ثم إذا كان الإخلاص معه بأن يصدق باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ويقر عقدا بأن القدر خيره وشره من اللّه تعالى ، بمعنى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، كان مؤمنا حقا ، ثم إذا جمع بين الإسلام والتصديق ، وقرن المجاهدة بالمشاهدة وصار غيبه شهادة فهو الكمال . فكان الإسلام مبدأ ، والإيمان وسطا ، والإحسان كمالا » .
وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي رحمه اللّه في حديث سؤال جبريل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الإيمان والإسلام : « جعل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال ، وجعل الإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد ، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان ، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام ، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم » والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا ، يدل عليه قوله سبحانه وتعالى :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ] و
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
[ المائدة : 3 ] و
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
[ آل عمران :
85 ] أخبر سبحانه وتعالى أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام ، ولا يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل » « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر شرح صحيح مسلم للنووي ، كتاب الإيمان .
( 2 ) انظر شرح النووي على صحيح مسلم .