وقال الشيخ ابن عجيبة : قال بعضهم :
فمن فهم الإشارة فليصنها * وإلا سوف يقتل بالسنان
كحلاج المحبة إذ تبدت * له شمس الحقيقة بالتداني
وهو الذي أشار إليه الشيخ ابن الفارض سلطان العاشقين بقوله :
ولا تك ممن طيشته طروسه * بحيث استقلت عقله واستقرت
فثمّ وراء النقل علم يدق عن * مدارك غايات العقول السليمة
تلقيته مني وعني أخذته * ونفسي كانت من عطائي ممدتي
وقال البوصيري :
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم
وشبّه مشايخ التصوف منكر علومهم بالعنين الذي ينكر شهوة الجماع ، وبالمزكوم الذي ينكر رائحة المسك الأذفر ، وبالمحموم الذي ينكر حلاوة السكر .
علم الشريعة وعلم الحقيقة :
وهذا العلم يعبر عنه أيضا بعلم الحقيقة في مقابلة علم الشريعة وبينهما علم الطريقة . قال الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني مبينا الفرق بين الشريعة والحقيقة :
« أشكل على بعض الفضلاء قوله تعالى :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ النّحل : 32 ] مع قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« لن يدخل أحدكم الجنة بعمله »
الحديث .
والجواب هو أن نقول : إن الكتاب والسنّة وردا بين شريعة وحقيقة .
أو نقول بين تشريع وتحقيق ، فقد يشرعان في موضع ويحققان في آخر في ذلك الشيء بعينه ، وقد يحققان في موضع ويشرعان فيه في آخر ، وقد يشرع القرآن في موضع وتحققه السنة ، وقد تشرع السنة في موضع ويحققه القرآن فالرسول عليه الصلاة والسلام مبين لما أنزل اللّه .
قال تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
[ النّحل : 44 ] .
فقوله تعالى :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ النّحل : 32 ] .
هذا تشريع لأهل الحكمة وهم أهل الشريعة ، وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« لن يدخل أحدكم الجنة بعمله »
هذا تحقيق لأهل القدرة وهم أهل الحقيقة ، كما أنّ قوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] تحقيق .