العلم ، فدلّ أن الشهادة واحدة أسندت إلى اللّه أولا ثم تنزلت إلى الملك ثم إلى صاحب العلم فهي في اللّه فعل وفي الملك وصاحب العلم تفويض وبالتفويض يقع الشهود . فإن اللّه لا ينسب إليك شهادته إلا إذا فوضت إليه وإذا فوضت إليه محقك من عينك فكان هو الشاهد والمشهود وفي هذا المقام يقول بعض العارفين : ما عرف اللّه إلا اللّه . . . .
« ولا شك أن أقسام الإيمان الثلاثة ترجع إلى قسم واحد وهو ما ورد عن اللّه تعالى ، قاله المقلدون بأفواههم ، وتصوره المستدلون بأذهانهم ، وشهده العارفون بأسرارهم . فهو في المقلد قول وفي المستدل تصور وفي العارف شهود . بمنزلة من قال بلسانه نار ، ومن تصور النار في ذهنه ، ومن أدرك حرارتها ببدنه . فالقائل يستند في قوله إلى غيره حاكيا عنه . والمتصور يستند في شهوده إلى ذهنه حاكيا عنه ، والمشاهد يستند في شهوده إلى حقيقة ما شاهده حاكيا عنه . فمعلّم الأول آخر مثله ، ومعلم الثاني فكره وذهنه ، ومعلم الثالث ربه ، كما قال بعض العارفين : أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت . وشتان بين من ينطق عن غيره أو فكره وبين من ينطق عن ربه . فالحق الذي يجب الإيمان به واحد ولكن يختلف باختلاف الظهورات ؛ فظهوره في أصحاب الأقوال غير ظهوره في أصحاب الاستدلال غير ظهوره في أصحاب شهود الأحوال » انتهى .
وهذا العلم الأخير علم شهود الأحوال هو المعبّر عنه بالعلم الوهبي أو العلم اللدني .
العلم الوهبي أو العلم اللدني :
وهو العلم المشار إليه بقوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 282 ] وقوله تعالى :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
[ الكهف : 65 ] والمشار إليه بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم داعيا لعبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما :
« اللهم فقّهه في الدين وعلمه التأويل »
وهو المراد بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« العلماء ورثة الأنبياء »
وبقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« أنا مدينة العلم وعلي بابها »
. وقال الإمام علي رضي اللّه عنه وكرّم وجهه :
« علّمني رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بابا من العلم لم يعلّم ذلك لأحد غيري »
. وكان يضرب بيده على صدره ويقول :
« إن ههنا علوما جمّة لو وجدت لها حملة »
. وفي رواية البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « حملت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم جرابين من العلم فأما الواحد فبثثته فيكم ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني