حقيقة الإنسان الخليفة الملكية والملكوتية والجبروتية :
إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعتبر محور الكون وسبب وجوده ، فهو الذي يعمره ويكوّن حضاراته وذلك لما يحمله من مقومات الاستمرار الحسية والمعنوية ، فهو الوحيد الذي حمل أمانة استخلاف اللّه تعالى له في الأرض ، فهو النموذج الخلقي الذي تظهر به ومن خلاله الكمالات الأسمائية الإلهية كالرب والملك والرزاق والرحمن والغفّار والستّار والرؤوف والمحيي والمميت والخافض والرافع والمعز والمذل ، فالإنسان هو المرآة الجامعة للعوالم الوجودية ؛ الحقية والخلقية ، الملكية والملكوتية . يقول الشيخ ابن عطاء اللّه السكندري في حكمه موضحا هذه الفكرة : « جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته ، ليعلمك جلالة قدرتك بين مخلوقاته ، وأنك جوهرة تنطوي عليك أصداف مكوناته » .
إن الإنسان يقابل عالم الشهادة بجسمه الطيني ، ويقابل عالم الملكوت بقلبه النوراني ، ويقابل عالم الجبروت بروحه الأمري . لذلك كان الإنسان جامعا للحقائق الوجودية كلها المادية والمعنوية ، وفي ذلك يروى عن الإمام علي رضي اللّه عنه وكرّم وجهه قوله : « أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر » وفي الحديث الشريف : « إن اللّه خلق آدم على صورته » وفي رواية « على صورة الرحمن » . إن جمعية الإنسان للحقائق الخلقية الكونية ، وللحقائق الروحية الملكوتية ، وللحقائق الحقية الأمرية الجبروتية ، هي التي رفعت قدره بين المخلوقات ، وأهّلته ليكون خليفة اللّه في أرضه وحاملا لأمانته . قال اللّه تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] وقال تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( 72 )
[ الأحزاب : 72 ] .
وفي الحديث الشريف : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » .
ولأن العوالم الوجودية ثلاثة : الملك والملكوت والجبروت ، ولأن الإنسان كون جامع لهذه العوالم بحقائقه الحسية والمعنوية ، جاء الدين الإسلامي كاملا ومتضمنا للإسلام والإيمان والإحسان .
فالإسلام في مقابل جسم الإنسان الملكي الشهادي ، والإيمان في مقابل قلبه الملكوتي الغيبي ، والإحسان في مقابل روحه الأمري الجبروتي .
وبيان ذلك أن نقول :