ومرّ رجل ومعه بلالين - أي مآزر - فدعا رجل : يا صاحب البلالين ، فطرب الشيخ وصاح ، وبكى وناح .
وكان يشخص في أحد الأيام إلى الأسطوانة ، أو العمود الأسبوع فأكثر ، فلا تطرف عينه .
وله من أمثال هذه الواقعات كثير ، وفي هذا القدر منها كفاية ، وناهيك بديوانه الذي اعترف بحسنه الموافق والمخالف ، والمعادي والمحالف ، سيما القصيدة التائية ، وقد اعتني بشرحها جمع من الأعيان : كالسراج الهندي الحنفي ، والشمس البساطي المالكي ، والشيخ علوان الحموي ، والجلال القزويني الشافعي ، غير متعقّبين ، ولا مبالين بقول المنكرين الحسّاد : شعره ينعت بالاتحاد .
وكذا شرحها الفرغاني « 1 » والقاشاني والقيصري وغيرهم ، وعلى الخمرية وغيرها عدّة شروح .
وقال أحد أهل الرسوخ : إن الديوان كله مشروح .
وذكر أحد الأكابر أن واحدا من أهل الظاهر في عصر الحافظ ابن حجر كتب على التائية شرحا ، وأرسله إلى أحد عظماء صوفية الوقت ليقرضه ، فأقام عنده مدة ، ثم كتب عليه عند إرساله إليه :
سارت مغرّبة وسرت مشرّقا * شتّان بين مشرّق ومغرّب
فقيل له في ذلك ، فقال : مولانا الشّارح اعتنى بإرجاع الضمائر والمبتدأ والخبر والجناس والاستعارة ، وما هنالك من اللغة والبديعين ، ومراد الناظم وراء ذلك كله .
وقد أثنى على ديوانه حتى من كان سيىء الاعتقاد ، منهم ابن أبي حجلة الذي عزره السّراج الهندي بسبب الوقيعة فيه فقال : هو من أرقّ الدواوين شعرا ، وأنفسها درّا ، برّا وبحرا ، وأسرعها للقلوب جرحا ، وأكثرها على الطول نوحا .
إذ هو صادر عن نفثة مصدور ، وعائق مهجور ، وقلب بحر النوى مكسور .
هامش
( 1 ) وهو هذا الشرح الذي بين أيدينا .