فيقول لسان حاله : [ من البسيط ]
يا صاحبيّ قضيب البان ريّان * والبدر ملتحف والصبح عريان
والنرجس الغضّ ساه والغمام ند * والطلّ في طرز الريحان حيران
فغالطا نعستي بالكأس واختلسا * لبّي فقد نفح النسرين « 1 » والبان « 2 »
واعلم أن هذه الحال قلّ ما يسلم فيها صاحبها من عوارض الدعوى والإدلال ، فيخاف عليه السقوط من مقامه الذي هو فيه لغيرة المحبوب على إظهار أسرار المحبة ، ولا تقال للمدلّ في ذلك عثرة وإنما يعذر السكران لا صاحب الدعوى : [ من الطويل ]
وما السرّ في الأحرار إلا وديعة * ولكن إذا رقّ المدام فمن يقوى
إذ الأصل أن إفشاء سرّ اللّه تعالى كفر فأما المؤيّد بالتوفيق الإلهي فإنّه كلما نازل هذا المقام تأكّد لزومه للأدب ولم يفارقه التعظيم ، ومن لم يحفظ شروط هذا المقام كان على خطر ، وكما قال بعضهم : « بلغنا في هذا الأمر إلى ما هو أحدّ من السيف إن ملنا هكذا ففي النار » .
وقد يوجد في خواصّ أهل الاصطفاء من لا يضرّه شيء من هذه الأمور التي يظهرها سكر الأحوال ، فإن الحقّ تعالى حفظ عليهم أحوالهم كما أخلصهم من جميع الشوائب ، فهم سكارى بحبّه على الدوام يتيهون في روضات الجمال ، وتتجلّى لهم محاسن عرائس الوجود من وراء ستور ربّات الحجال ، تشرق الآفاق بأنوارهم ويتجمّل الوقت بآثارهم ، وتتأرّج بنسيم عرفانهم الأكوان ، ويتحلّى بهم جيد الزمان ، يهيمون بحبّه في كل الجهات ، ويتملّقون إليه في الخلوات ، فربّما أنشد منبسطهم على بساط الإدلال ، عند معاينة ذات الجمال ، وارتفاع حجب الضلال : [ من الكامل ]
هبّت رياح وصالهم سحرا * بحرائق للشّوق في قلبي
فاهتزّ غصن الوجد من طرب * وتناثرت ثمر من الحبّ
هامش
( 1 ) النسرين من الرياحين ترجمة فارسية .
( 2 ) البان : شجر ثمره دهن طيب ، وحبّه نافع للبرش والنّمش والكلف والبهق والجرب .