الباب السابع في مقامات السالكين وأحوال العارفين
اعلم أن المقام عند المحققين هو الملكة الثابتة لما ينازله السالك من الصفات ، والحال عندهم عبارة عن تأثّر القلب بالواردات من المحبوب ، إلا أن ذلك سريع الزوال ، ولهذا قالوا : « ألف حال لا يحصل منها مقام واحد » .
والاعتماد في السلوك على المقامات والملكات لا على الأحوال .
فصل في الشوق
ومعناه حركة النفس إلى تتميم ابتهاجها بتصوّر حضرة محبوبها ، وهو من لوازم المحبة ، إذ النفس تشتاق أبدا لمن تحبّ . وأما كيفية وجوده فاعلم أن ما لا يدرك حقيقة بوجه لا يشتاق إليه ، وما أدرك من جميع جهاته لا يتصوّر أيضا الشوق إليه ، لأنّه حاصل بالكليّة والحاصل لا يطلب ، وإنما يكون الشوق لمن علم من طرف وجهل من طرف آخر ، فإن المحبّ تحرّكه لذّة ما أدرك لطلب ما لم يدرك . ومثال ذلك أن من أدرك بعض صفات محبوبه وعلم يقينا أن له صفات غيرها هي أكمل من التي أدرك وأن لذّة إدراكها أتمّ من لذّة إدراك ما حصل عنده ، فإن شوقه يحرّكه إلى طلب ما فاته ليلتذّ بذلك ، وتحصيل اللذّة مطلوب وهي تابعة للإدراك . فهذا الشوق لا يسكن ولا في الدار الآخرة ، إذ كمال المحبوب لا ينتهي إلى حدّ ؛ فالشوق إلى تحصيل هذا الكمال لا ينقطع أبدا : [ من الطويل ]
فوا عجبا من غلّة كلما ارتوت * من السلسبيل العذب زاد ضرامها
وبرد رضاب سلسل غير أنّه * إذا شربته النفس زاد هيامها « 1 »
هامش
( 1 ) هذا البيت من قصيدة طويلة للشاعر العباسي أبو الحسن علي التهامي ، وقد سبق ذكره .