ومعنى قوله : تفجّر المعرفة ، أي تحصّل للقلب منها منازلات المعارف ، يعني كشفها وشهودها ، وشبّهها بالماء المتفجّر من العيون ، لأنّ الماء المتفجّر من العيون يأتي من وراء مكان غائب عن الحسّ ، فيظهر للحسّ ، وكذلك المعرفة تأتي من الغيب ، فتظهر للشّهادة ، وكما أنّ ماء العيون يأتي بلا كلفة ولا اكتساب ولا بئر ولا دولاب ، كذلك المعارف تأتي من الغيب موهبة من الوهّاب بغير اكتساب ، فلذلك قال :
بصيرة تفجّر المعرفة ، على حكم التّشبيه بتفجير الأنهار من العيون ، وقد تقدّم القول أنّ المعرفة هي روح العلم ، / وهي فوق ما يدرك بالأفكار ، وأكثر ما يظهر لأهل الأذكار ، ولذلك قال اللّه تعالى :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
« 3 » ، وإنّما تطمئنّ القلوب بالمعرفة .
قوله : وتثبت الإشارة ، يعني أنّ إشارات الصوفيّة ينكرها أهل العلم ، ويثبتها أهل المعرفة ، ولا يزال الإنسان ينكرها ما دام في طور العلم ، إلّا إن كان من أهل الإيمان بطريق القوم ، فأمّا إذا وردت عليه المعرفة ، فإنّه يثبت الإشارة ، هذا معنى قوله : وتثبت الإشارة .
قوله : وتنبت الفراسة ، يعني أنّ بصيرة المكاشفة تنبت في القلب الفراسة ، شبّه القلب بالأرض ، والفراسة بالنّبات ، وذلك أنّ كلّ قلوب بني آدم في الأصل تصلح للفراسة كلّها ، لأنّ اللّه تعالى جعل آدم خليفة ، والخلافة تقتضي أن يكون في الخليفة أسرار المستخلف الحقّ تبارك وتعالى ، وبنو آدم لهم الميراث من أبيهم آدم ، فقلوبهم مؤهّلة للعلم الإلهيّ ، لكنّهم أعرضوا عن عبادة اللّه تعالى وأقبلوا على معاصيه ، فأظلمت بواطنهم ، واكتسبوا الحرام ، فأصبحت قلوبهم في أكنّة ، أي في حجب ، قال اللّه تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 4 » ،
هامش
( 3 ) الآية 28 سورة الرّعد .
( 4 ) الآية 14 سورة المطفّفين .