بما يعلم أنّه خير له ، فإذا تلوّنت أقسام الرّزق ، فكثرت عند قوم ، وقلّت عند قوم ، فقل : إنّ الحقّ أراد رعاية البرّ / في حقّ هؤلاء ، وقد ورد في الخبر النبويّ حكاية عن اللّه عزّ وجلّ : « إنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلّا الغنى ، ولو أفقرته لأفسده ذلك » ، فهذه رعاية اللّه تعالى برّ عباده ، والبرّ هو الإحسان .
قوله : ويعاين في جذبه حبل الوصال ، الجذب هو التّوفيق للطّاعة ، والوصال هنا هو التّقريب ، ولا يعاين الوصال في الجذب إلّا أهل الكشف ، خصوصا أهل المحبّة .
وقد اتّفق لي في بعض اللّيالي سهر في الذّكر ، فورد عليّ الأنس ، فوجدت سرورا وفرحا ، فقلت : يا ربّ وعزّتك إنّي سعيد ، لا أشكّ في ذلك ، ولهذا أيقظتني في ظلمة هذا اللّيل لمناجاتك ، وأكثر خلقك نائمون ، فهذا القدر وإن كان في ذلك الوقت ما كان إقراري بذلك عن عيان ، لكنّي فيما بعد ذلك وجدت معناه ، فوجدته جذب وصال ، وأراد بالحبل استعارة الوصلة ، وسبب القرب ، قال اللّه تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
« 2 » ، أي تمسّكوا بسبب القرب ، والحبل يسمّى سببا .
[ الدّرجة الثالثة بصيرة تفجّر المعرفة وتثبت الإشارة ]
الدّرجة الثالثة :
بصيرة تفجّر المعرفة ، وتثبت الإشارة ، وتنبت الفراسة .
( 1 ) البصيرة التي تفجّر المعرفة هي الكشف والشّهود ، وقد تقدّم قولي في أوّل هذا الباب أنّ البصيرة هي إمّا الإيمان ، وإمّا العيان ، فالدّرجة الأولى هي بصيرة بالإيمان ، والثانية والثالثة هي بصيرة بالعيان .
هامش
( 2 ) الآية 103 سورة آل عمران .