تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
فإنّ من جملة فقه النفوس أنّه متى عرفت شيئا من هذا النوع من حيث فرعيّته قبل التحقّق بمعرفة أصله ، سقطت عظمة ذلك الأمر عندها ، وازدرته بعد ذلك ، وربما قاست بقيّة ما سمعته من أسرار الحقّ بصفة التعظيم على ما تنبّهت « 1 » له ، فتفتر بالكلّيّة وتهلك ، بل ربما تقف عند الفترة ، وربما عادت مستحقرة شعائر الله سبحانه ، مستخفّة بحرماته ، بخلاف من « 2 » سمعها بسمع الإيمان الظاهر ، واستحضرها بصفة التعظيم إلى أن يطلعه الحقّ عليها ، فيعرفها من أصلها ، فيعظّمها أكثر من تعظيم المؤمن المحجوب بما لا نسبة « 3 » ، فإنّ هذا التعظيم نتيجة العلم الذي لا يزول ، والتعظيم الأوّل تعظيم وهمي بصدد الزوال ، فكان الشارع ومن تحقّق بتبعيّته ، « 4 » وشاركه في أصل مأخذه لو صرّح بمثل هذا كان سببا في شقاء المستحقر المزدري ، وحاشا من بعث رحمة للعالمين أن يكون كذلك . وأصحاب الآفة المذكورة هم أصحاب الفطرة « 5 » البتراء ، واللوائح الأولى الذين لم يبقوا « 6 » على طهارة الإيمان الصحيح ، ولا فازوا بحقيقة الشهود الذاتي والكشف الصريح ، فإنّ أهل الكشف المحقّق والشهود يعظّمون الأشياء ، ويرونها شعائر الحقّ ومظاهره وصور أسمائه ، والمضطرّين « 7 » وقفوا عند أسماء الأسماء لم يعرفوا حقائق الأسماء ولا المسمّى بها ، فتعظيمهم « 8 » وسمي وهمي يزيله الحسّ وفقه النفس فاعتبر الشارع صلّى اللّه عليه وآله ما ذكرنا امدادا للهمم ، وتحريضا على طلب المزيد بالتشويق المدرج فيما ذكرنا ، وليعلم الألبّاء كمال قوّته في التبليغ حيث لم يكتم ولم يوضح ، بل عبّر عن الأسرار بعبارة تامّة مؤدّية للمقصود بيانه بالنسبة إلى الفطن اللبيب والتسمية « 9 » المطابقة مع السلامة من بشاعة التصريح ، وآفاته وعدم تفطّن الغبيّ المراد ، فجمع بين الكشف والكتم ؛ ليرتقي الضعيف النفس بالتشويق إلى حضرة القدس ، وليزداد اللبيب استبصارا ، فجزاه الله وإخوانه عنّا وعن سائر المسترشدين أفضل الجزاء ، آمين .
هامش
( 1 ) . ق : نبّهت . ( 2 ) . ه : ما . ( 3 ) . لعل هنا سقطا . ( 4 ) . ه : تبعيّته . ( 5 ) . ق : الفطنة . ( 6 ) . ق : لم يتّفقوا . ( 7 ) . عطف على اسم إنّ . ( 8 ) . ق : تعظمهم . ( 9 ) . عطف على « عبارة » .
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 344 | أبي المعالي القونوي / سيد جلال الدين آشتياني