قوله :
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ليس تكرّرا « 1 » لما في البسملة ، بل للواحد تخصيص حكم التعميم ، وللآخر تعميم حكم التخصيص . ومتعلّق أحدهما الحكم الدائم بمقتضى حكم معنى الأمر باطنا مطلقا ، للآخر الحكم المقدّر « 2 » المشروط ظاهرا وباطنا .
وسرّ ذلك وتفصيله أنّ الرحمة رحمتان : رحمة ذاتيّة مطلقة امتنانيّة ، هي التي وسعت كلّ شيء ، ومن حكمها الساري في الذوات رحمة الشيء بنفسه وفيها ، تقع من كلّ رحيم بنفسه بالإحسان أو الإساءة بصورة الانتقام والقهر ؛ فإنّ كلّ ذلك من المحسن والمنتقم رحمة بنفسه ، فافهم . ومن حيث هذه الرحمة وصف الحقّ نفسه بالحبّ وشدّة الشوق إلى لقاء أحبّائه ، وهذه المحبّة بهذه الرحمة لا سبب لها ولا موجب ، وليست في مقابلة شيء من الصفات والأفعال وغيرهما وإليها أشارت رابعة - رضي اللّه عنها - بقولها :
أحبّك حبّين : حبّ الهوى * وحبّا لأنّك أهل لذاكا
فأمّا الذي هو حبّ الهوى * فذكرك في السرّ حتى أراكا
فأمّا الذي أنت أهل له * فشغلي بذكرك عمّن سواكا
ولا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا « 3 »
فحبّ الهوى لمناسبة ذاتيّة غير معلّلة بشيء غير الذات . وأمّا حبّ أنّك أهل لذاكا فسببه المثمر له هو العلم بالأهليّة . ولهذه الرحمة من صور الإحسان كلّ عطاء يقع لا عن سؤال أو حاجة ولا لسابقة حقّ أو استحقاق لوصف ثابت للمعطى له أو حال مرضيّ يكون عليه هذا مطلقا .
ومن تخصيصاته الدرجات والخيرات الحاصلة في الجنّة لقوم بالسرّ المسمّى في الجمهور عناية ، لا لعمل عملوه أو خير قدّموه .
ولهذا ثبت كشفا أنّ الجنّات ثلاث : جنّة الأعمال ، وجنّة الميراث ، وجنّة الاختصاص .
وقد نبّه على جميع ذلك في الكتاب والسنّة ، وورد في المعنى : أنّه يبقى في الجنّة مواضع خالية يملأها اللّه بخلق يخلقهم لم يعملوا خيرا قطّ ، إمضاء لسابق حكمه وقوله تعالى :
هامش
( 1 ) . ق : تكرارا .
( 2 ) . ق : المقيّد .
( 3 ) . ق : الأبيات الثلاثة الأخيرة غير موجودة .