فكر البنوة والأخوة وأمل الوفاء والرحمة والشفقة ومحبته لنفسه ، وعاقبه الأمر ، وباقي المنافع التي ينتظرها الأقارب من أقاربهم - برغم أن هذه الفكر جميعا - لا يخطر منها شئ بباله فإن هذه التفاصيل جميعا مضمرة في ذلك القدر من الملاقاة والتأمل . كما أن الهواء مضمرا في الخشب ، حتى حين يكون الخشب في التراب أو في الماء فلو لم يكن فيه هواء لما كان للنار تأثير فيه ؛ ذلك لأن الهواء علف النار وحياة النار . ألا ترى أنها تحيا بالنفخ ؟ برغم أن الخشب قد يكون في الماء أو التراب يكون الهواء كامنا فيه . ولو لم يكن الهواء كامنا فيه لما طفا على سطح الماء . وهكذا الشأن أيضا في الكلام الذي تقوله : برغم أن من لوازم هذا الكلام أشياء كثيرة ، كالعقل والدماغ والشفتين والفم والحنجرة واللسان وجملة أجزاء الجسد التي هي المتحكمة فيه ، وكذا الأركان والطبائع والأفلاك ومئة ألف من الأسباب التي يقوم عليها العالم ، وهكذا إلى أن تصل إلى عالم الصفات ، وبعدئذ الذات - برغم أن هذه المعاني لا تظهر في الكلام ولا تكشف ، فإنها في مجموعها مضمرة في الكلام كما سبق أن قلت .
وفي كل يوم يمر بالإنسان ، يحدث له بمعدل خمس مرات أو ست مرات أشياء غير مرادة ومؤلمة ، من دون اختيار منه . ولا شك في أن هذه الأشياء لا تكون منه هو ، بل من غيره . وهو مسخر لذلك ( الغير ) ، وذلك الغير يراقبه ؛ لأن عقب الفعل السيئ يؤلمه ، وإن لم يكن ثمة مراقب له فكيف يؤثر فيه الفعل . وبرغم هذه الأشياء غير المرادة لا يقر طبعه ولا تطمئن نفسه فيعترف : " أنا تحت سيطرة شخص " .
فيه ما فيه — صفحة 308
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٣٠٨