- واقترب منه ، وجلس بأدب شديد ، فتملكته عطسة ، فقفز الشيخ من مكانه .
- ورأى عمر ، فاشتدت دهشته ، وهم بالسير ، وقد تملكته رعدة .
- وهتف في باطنه ، يا الهي ، منك الغياث ، لقد وقع المحتسب على شيخ ضعيف عازف على الصنج .
- وعندما نظر عمر إلى وجه الشيخ ، رآه خجلا شاحبا .
2190 - فقال له عمر : لا تخف ، ولا تهلع مني ، فلقد جئتك بالبشارات من الحق .
- ولقد مدح الله تعالى خلقك كثيرا ، حتى صار عمر عاشقا لرؤية وجهك .
- فاجلس إليّ ، ولا تعزف لحن الفراق ، حتى أفضي إليك بسر عن الإقبال .
- إن الحق يقرؤك السلام ويسألك : كيف أنت من آلامك وأحزانك التي لا حد لها ؟
- وهاك مبلغ ضئيل من المال ثمنا للعزف ، أنفقها ، ثم إرجع إلى .
2195 - وعندما سمع الشيخ هذا الكلام صار مرتعدا ، وأخذ يعض على يديه ، كما أخذ جسده يهتز .
- وأخذ يصيح : يا الها بلا نظير ، كفي ، فقد ذاب الشيخ المسكين خجلا .
- وعندما بكى كثيرا وزاد ألمه عن الحد ، ألقى بالصنج على الأرض وحطمه .
- وقال : يا من كانت حجابا لي عن الإله ، ويا قاطع طريقي في الطريق الملكي .
- ويا من شربت دمي طيلة سبعين عاما ، ويا من إسود وجهي منك أمام الكمال .
2200 - ويا إلهي يا ذا العطاء والوفاء ، إرحم من ضاع عمره في الجفاء .
- ولقد وهب الحق عمرا لا يعرف أحد في الدنيا قيمة كل يوم منه .
- ولقد أنفقت عمري لحظة بلحظة ، وأضعته هباء على وتري الجهير والخفيض ! !
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي ) — صفحة 211
مساهمون: جلال الدين الرومي
ص٢١١