أ - حقبة تمتد من 610 ه إلى 646 ه قضاها بموطنه الأصلي الأندلس ، عاش فيها حياة مترفة كأقرانه من أبناء الطبقة الحاكمة ، وتلقى خلالها تعليما وتربية عالية ، واكتسب الأذواق الأدبية والأخلاقية الأكثر تهذيبا . « 1 »
وقد شغف في هذه المرحلة كثيرا بابن قزمان أحد أهم الشعراء الأندلسيين الذين أبدعوا الزجل ، كما حصّل علوم الحديث والفقه وأصول الفقه واللغة والإعجاز . « 2 »
وفي آخر هذه المرحلة ، عندما كانت سنه تناهز الثلاثين ، امتهن التجارة وصار يجول البلاد شرقا وغربا ويتعرف على أحوال أهلها . وكان تأثره عميقا لما لاحظه من تردي أوضاع الناس الأمنية والأخلاقية والاقتصادية بعد هزيمة العقاب ، واشتد إحساسه بالحسرة والخيبة من جراء ذلك ؛ لما كان يتميز به من حسّ مرهف وعاطفة جياشة . وهذا ما جعل حياته تنقلب رأسا على عقب ، فترك الجاه والمال وكل مظاهر الحياة ، وبدأ في البحث عن هدف آخر خارجهما ليحقق لنفسه القلقة الطمأنينة ، فترك الأوطان حوالي سنة 644 ه وهام على وجهه في بلاد الله باحثا عن الحقيقة ، حقيقة تطمئن لها نفسه الولهانة .
وأول رحلاته كانت إلى المغرب الأقصى ، وبالضبط إلى مدينتي مكناس وفاس بحثا عن علم يؤهله لترك الدنيا ويقربه من الله . « 3 »
ثم رحل إلى مدينة بجاية بالمغرب الأوسط ، حيث سيستمر في هيامه وبحثه عن الحقيقة واليقين محاولا اقتباس الأنوار من كل نبراس علم ، وأول طريق صوفي نهجه ومثل مرحلة روحية أولى في معراجه الصوفي ، طريقة السهروردي مع أحد رواده القاضي محيي الدين بن سراقة وهو طريق سني معتدل ، وباعتناقه لتعاليم هذه
هامش
( 1 ) -. L . Massignon IBid P . 214.
( 2 ) - انظر كتاب : « لسان الميزان » لابن حجر ج 4 ص 240 ، حيث يرى أن الشستري بدأ دراسته لإعجاز القرآن بعد قطعه مع ابن سبعين شيخه في العلوم الصوفية الفلسفية .
( 3 ) - يذكر الششتري هذه الرحلة في قوله :شويخ من أرض مكناس * في وسط الأسواق يغني
أش علي من الناس * واش على الناس منّي
هكذا عشت في فاس * وكذا هان هوني( الديوان ص 273 )