لا شك أن هذه العوامل ستؤثر بشكل فعال في الحياة الفكرية المغربية عامة والأندلسية خاصة ، فقد بدأت سلطة الفقهاء تظهر وتعم ، وروح التزمت تطغى ، وجذوة الفكر العلمي تنطفئ ، وصار أكثر العلماء يتجهون إلى العلوم الدينية ، بينما لم تحظ العلوم الدنيوية المحضة إلا بالقليل من العناية « 1 » ، فقلّ رواد الطب والفلك والنبات ، وانحدر ذلك المستوى الذي عرفت عليه العلوم مع « ابن زهر » و « ابن طفيل » و « ابن رشد » .
أما الفلسفة ، فقد عرفت تحت تأثير الفقهاء إهمالا كبيرا في المغرب وحتى في الأندلس التي جبل أهلها على حرية التفكير والرأي ، وتحت نفس التأثير حرّم الاشتغال بالحكمة وكفّر المشتغلون بها ، وما أصاب " ابن رشد " وتلامذته وزملاءه من محن لدليل على ذلك « 2 » ، فكثرت الفتاوى التي تشنع بالفلسفة وبتعاطيها وتؤلّب رأي العامة والخلفاء على متعاطيها « 3 » هذا بالإضافة إلى مقاومة الأدباء والشعراء للفلسفة وعلومها ، حيث ألفوا في ذلك القصائد الطوال لذمّها « 4 » .
كما كتبت المؤلفات العديدة في تحذير الناس من بعض أصناف الفلسفة والفلاسفة والدعوة إلى هجرها والتمسك بالكتاب والسنة « 5 » .
وهكذا كسدت سوق الدراسات العقلية ، وإن بقي شيء منها في بعض الأماكن الخاصة كبلاطات الأمراء ، إذ كانت تمارس بشكل سري ، ومن وراء رقابة الفقهاء ورجال الدين عموما .
هامش
( 1 ) - انظر تفصيل ذلك في كتاب « عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس ، ص 648 وما يليها .
( 2 ) - عن محنة أبي الوليد بن رشد انظر كتاب « المعجب » لعبد الواحد المراكشي ، تحقيق محمود حقّي ص 435 - 436 - 437 ومن أهم تلامذة ابن رشد الذين أصيبوا بنار حقد الفقهاء : 1 - أبو جعفر الذهبي ،
( 2 ) - أبو العباس الشاعر ، 3 - الفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المهري الأصولي - 4 - أبو الربيع الكفيف .
( 3 ) - انظر منشور الخليفة يعقوب المنصور الموحدي الذي أمر فيه بإحراق كتب الفلسفة .
أ - « الذيل والتكملة » لعبد المالك المراكشي ترجمة ابن رشد ص 6 - 21 .
ب - قصة النزاع بين الدين والفلسفة » توفيق الطويل ، القاهرة 1958 ص 1179 .
( 4 ) - انظر مثلا : القصيدة التي نظمها « ابن حبوس » في ذم الفلسفة ومن يشتغل بها ، « الأعلام » ج 3 - ص 28 - 29 :الدين دين الله لم يعبأ * بمبتدع ولم يحفل بضلة ملحد
قالوا بنور العقل يدرك عما * وراء الغيب قلت قدّي الدعوى قد( 5 ) - انظر كنموذج لتلك الكتابات : خطبة « لأبي حفص الأغماتي » ضمن رحلة العبدري ، كتاب العلوم والآداب والفنون « المنوني » ص 207 .