وجود العالم بما فيه في الخلقية تبعا لهذه المعرفة فلا يدري أهي درة في صدف المحبة أو المحبة درة صدف المعرفة ، فإن المحبة بغير المعرفة لا يمكن وصولها ، وإن المعرفة بغير المحبة لا يمكن حصولها ، فلما أمعنت النظر وأتقنت الفكر كوشف لي أن المعرفة صدف درة المحبة ؛ لأن المحبة من صفات اللّه تعالى ، والمعرفة من صفة العبد ، ولهذا سبقت المحبة على المعرفة حيث قال : فأحببت أن أعرف ، فقد أضاف المحبة إلى نفسه ونسب المعرفة إلى غيره والمحبة قديمة والمعرفة حادثة ، والقديمة أولى بالدّرية ، والحادث أحرى بالصدفية ، وقد كشف القناع عن وجه هذا المعنى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - :
« إن اللّه خلق آدم فتجلى فيه »
« 1 » حيث قال :
« إن اللّه خلق آدم على صورته » « 2 »
أي على صفته ، فتحقق من هذا أن العالم صدف ودرته ، آدم - عليه السلام - وآدم صدفة ودرته ، محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وشخص محمد صدف وقلبه درته وقلبه صدف والمعرفة درته والمعرفة صدف والمحبة درته ، ولهذا سمي حبيب اللّه ، واختص بهذا الاسم دون سائر الخليقة من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين ، وهو المشار إليه بكفاية المحبة والمعرفة في قوله تعالى : « فأحببت أن أعرف » « 3 » والناس تبع له في نيل هذين المقامين ومن هنا كان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يقول :
« أنا سيد ولد آدم ولا فخر » « 4 »
ويقول :
« آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر » « 5 »
ولواؤه هو المقام المحمود الذي خصه اللّه تعالى به من كمال المعرفة والمحبة ، وما بلغ إليه من سواه وهم تحت مقامه .
ثم اعلم أن لكل نبي وولي تمتعا من مقام هذه المعرفة على قدر شهودهم الذي قدر اللّه لهم ، واستعدادهم في قبول الفيض الإلهي بلا واسطة حجاب ، ولا يبلغ السائر الصادق إلى هذه المرتبة السنية إلا بالعبور على مقامات النفس ، والقلب ، والسر ، والروح ، والخفي مؤيدا بالتأييد الإلهي كما يجيء شرحه في مواضعه إن
هامش
( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .
( 2 ) رواه مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب النهي عن ضرب الوجه ، حديث رقم ( 115 - 2612 ) طبعة دار الكتب العلمية بيروت . ورواه أحمد في المسند عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 8311 ) دار الكتب العلمية - بيروت . ورواه غيرهما .
( 3 ) أي في الحديث القدسي الذي سبق تخريجه .
( 4 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 / 604 ) تصوير بيروت ، وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم ( 32037 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .
( 5 ) رواه أحمد في المسند عن عبد اللّه بن عباس ، حديث رقم ( 2551 ) طبعة دار الكتب العلمية ، ورواه غيره .