دواعي الشهوات فانحسمت مواد المخالفات وانقطعت هواجس التبعات كما قيل :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا محال في القياس بديع
لو كنت تصدق حبه لأطعته * إن المحب لمن أحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمة * منه وأنت لشكر ذاك مضيع
وقال بعضهم : سمعت رجلا بالساحل في جوف الليل وهو يبكي ويقول بصوت حزين : قرة عيني وسرور قلبي ما الذي أسقطني من عينك ، فطوبى للقلوب ملأتها من خشيتك واستولت عليها محبتك ، فخشيتك مانعة لها من ولوج كل مقصد خوفا لحلول سخطك ، ومحبتك قاطعة لها عن سبيل كل شهوة غير ذكرك .
وأما المحبة الربانية :
فهي صفة اللّه تعالى المنعكسة في مرآة قلوب المحبوبين المحبين . عند قوله تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] وعلامة المحبة في الظاهر متابعة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - في ملازمة الفرائض ومداومة النوافل . كما
قال - صلى الله عليه وسلم - يقول اللّه - عز وجل - : « لن يتقرب إلي المتقربون بمثل ما افترضت عليهم ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . . . » « 1 »
الحديث . وعلامتها في الباطن أن لا يؤثر على اللّه غير اللّه ولا يكون متولي أمره إلا اللّه
وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
[ يوسف : 21 ] والتفاوت بين القوم في المحبة على قدر العناية من اللّه تعالى وكثرة الرعاية من العبد وتعاهد المعرفة وتصفية اليقين والصدق في الطلب ، وعلامة تلك المسارعة والمبادرة والحث على السير وحسن الالتجاء إلى اللّه تعالى في كل حال .
قال أحمد بن الحواري : حججت أنا وأبو سليمان الداراني فبينا نحن نسير إذ سقطت السطيحة مني فقلت لأبي سليمان : فقدت السطيحة وبقينا بلا ماء وكان برد شديد . فقال أبو سليمان : يا راد الضالة وهادي من الضلالة أردد علينا الضالة . فإذا واحد ينادي من ذهب له سطيحة . قال : فقلت أنا ، فأخذتها فبينا نحن نسير وقد تدرعنا بالفراء لشدة البرد فإذا نحن بإنسان عليه إطمار وهو يترشح عرقا . فقال أبو سليمان : تعال ندفع إليك مما علينا من الثياب ، فقال : يا أبا سليمان ، أتشير إلى الزهد وتجد البرد أنا أسيح في هذه البرية منذ ثلاثين سنة ما انتقضت ولا ارتعدت ، يلبسني في البرد فيحا من محبته ويلبسني في الصيف مذاق برد محبته .
وقال الحسن صاحب الفضيل بن عياض : دخلت على فضيل وهو يبكي . قلت ما يبكيك يا أبا علي ؟ قال : ويحك يا حسن إنه إذا جن الليل وهدأت العيون واختلط
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .