واستقامة الروح
في استغراقه في بحر المحبة واستلذاذه بمرارة المحبة .
واستقامة الخفي في قابليته لتجلي صفات الربوبية والتحلي بأخلاق الألوهية فانيا عن أنانية نفسه باقيا بهوية ربه . فأما استقامة الطريق فهي على ثلاثة أوجه : استقامة الطريق إلى النار : وهي على إقدام الشهوات . قال - صلى اللّه عليه وسلم - :
« حفت النار بالشهوات » « 1 » .
واستقامة الطريق إلى الجنة :
وهي على إقدام المكاره في نهي النفس عن هواها .
قال تعالى :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
( 41 ) وقال - صلى اللّه عليه وسلم - :
« حفت الجنة بالمكاره » « 2 » .
واستقامة الطريق إلى اللّه تعالى :
وهي علم إقدام المتابعة ولزوم المطاوعة قال اللّه تعالى :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ الشورى : 51 ، 52 ] أثبتت للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - الهداية إلى هذا الصراط لا هداية الصراط ، لأن الهداية إلى الصراط من المكاسب وهداية الصراط من المواهب . قال تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
( 6 ) [ الفاتحة : 6 ] وهذه الهداية : نور يقذفه اللّه في قلوب من يشاء من عباده . كما قال تعالى :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى : 52 ] .
فمن تقرب إلى اللّه باستقامة المكاسب يتقرب إليه اللّه باستقامة المواهب ثم الاستقامة من لوازم كل مقام وحال ، وبها الترقي من مقام إلى مقام ، ومن حال إلى حال . فمن لم يكن له استقامة في كل مقام وحال يؤول أمره إلى إضاعة السعي وإبطال الجهد ويرجع القهقري قال اللّه تعالى :
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ
[ النّحل : 92 ] فمن أمارات استقامة أهل البداية : الثبات على جادة الشريعة . ومن أمارات استقامة أهل النهاية : محافظة أحكام الحقيقة بخمود البشرية وصقالة مرآة القلب بإخراجه عن طبع الطبيعة ، وتزكية الأوصاف الإنسانية بتحلية الأخلاق الربانية .
ومنها الحياء :
قال اللّه تعالى :
أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى
( 14 ) [ العلق : 14 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : ذات يوم لأصحابه :
« استحيوا من اللّه حق الحياء » قالوا : إنا نستحي يا نبي اللّه والحمد للّه . قال : « ليس ذاك ولكن من استحى من اللّه حق الحياء
هامش
( 1 و 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجنة . . . ، حديث رقم ( 1 - 2822 ) . ورواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب صفة الجنة ، باب ( 21 ) حديث رقم ( 2559 ) ورواه غيرهما .