فليحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيى من اللّه حق الحياء » « 1 » .
اعلم أن الحياء من أوصاف الروح ومقاماته والحياء والعقل توأمان .
وذلك أن اللّه تعالى لما خلق الروح الأعظم وهو روح النبي - صلى اللّه عليه وسلم - كما مر شرحه ، وهو القلم فكان إحدى شقّيه : الحياء والأخرى : العقل . فلا ينفك أحدهما عن صاحبه فأينما يوجد العقل : يوجد الحياء ، وأينما يفقد العقل يفقد الحياء . وقد جاء في الخبر :
أن اللّه تعالى لما نظر إلى روح النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بنظر المحبة غلب عليه الحياء فتعرق روحه فخلق اللّه تعالى من قطرات عرقه الأنبياء
- عليهم السلام - وقوله - صلى اللّه عليه وسلم - :
« خلق الورد الأحمر من عرقي »
« 2 » لعل من أصل هذا العرق أصله . ومن نتائج هذه الحقيقة أن من نظر الآن بنظر المحبة إلى محبوبه غلب عليه الحياء واحمر وجهه وتعرق .
وقيل الحياء على وجوه :
حياء الجناية . كآدم - عليه السلام - لما قيل :
أفرارا منا ، قال : بل حياء منك . وحياء التقصير : كالملائكة ، يقولون : ما عبدناك حق عبادتك . وحياء الإجلال : كإسرافيل - عليه السلام - تسربل بجناحيه حياء من اللّه تعالى . وحياء الكرم : كالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - كان يستحي من أمته أن يقول : اخرجوا ، فقال اللّه تعالى - عز وجل - :
وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ
[ الأحزاب : 53 ] وحياء الحشمة :
كعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - . حين سأل المقداد حتى سأل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن حكم المذي لمكان فاطمة - رضي اللّه عنها - منه وحياء الاستحقار كموسى - عليه السلام - قال : عرض بالحاجة من الدنيا فاستحيي أن أسألك يا رب . فقال له - عز وجل - : سلني ولو ملح عجينك وعلف شاتك . وحياء الرب سبحانه وتعالى .
يدفع إلى العبد كتابا مختوما بعدما عبر الصراط وإذا فيه فعلت ما فعلت ولقد استحيت أن أظهر عليك فاذهب فإني قد غفرت لك .
وعن أبي سليمان الداراني يقول : قال اللّه تعالى عبدي إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك ، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ، ومحوت من أم الكتاب زلاتك ، ولا أناقشك في الحساب يوم القيامة .
[ حياء روحاني ]
قلت : الحياء حياءان : حياء روحاني منشؤه إنسانية الإنسان مما استفاد الروح عن
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الرقاق ، حديث رقم ( 7915 ) . ورواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب صفة القيامة . . ، باب ( 24 ) حديث رقم ( 2458 ) ورواه غيرهما .
( 2 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .