حياء الرب تعالى خصوصية الخلافة ، فإن اللّه حيي كريم . ويحتمل أن يكون هذا الحياء من وصف الكافر كما كان لزليخا حين ألقت ثوبا على وجه صنم في زاوية البيت إذ همت بيوسف - عليه السلام - فقال : ماذا تفعلين ؟ فقالت : أستحي منه وهي كافرة : في تلك الحالة .
وحياء رباني :
منشؤه نور الإيمان كما قال - عليه السلام - الحياء من الإيمان ، وهو برهان الرحمن كما كان ليوسف - عليه السلام - في قوله تعالى :
وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
[ يوسف : 24 ] قيل : البرهان حياؤه من اللّه تعالى لما رأى ذلك الفعل من زليخا . قال : أنا أولى أن أستحي من اللّه تعالى . وهذا النوع من الحياء لا يكون إلا للمؤمن .
ومنه ما جاء في وصفه - صلى اللّه عليه وسلم -
أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها « 1 » .
وقد خص النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بهذا الحياء من الصحابة عثمان بن عفان - رضي اللّه عنهم - بقوله :
« أحياكم عثمان »
« 2 » .
ثم اعلم أنه ما عبر سالك مقاما من المقامات إلا بحياء من هذا النوع على حسب حالته وحضوره مع اللّه تعالى وقربه منه . فإن الحياء من نتائج الحضور والقرب والمشاهدة . فحياء الحضور لأهل البداية ، وأمارته الندامة على ما جرى منه والتوبة عنه ولوم النفس عن المخالفات المنهيات وترك الموافقات المأمورات والرجوع منه إلى اللّه تعالى وعبوديته . وحياء القرب : لأهل الوسائط بما يباعده من اللّه ويحجب عنه كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - :
« من استحيى من اللّه حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى » « 3 » .
الحديث أي السمع والبصر واللسان والفم والبطن . وما حوى » . أي : النفس والقلب والفرج .
ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا أي : حلالها وحرامها مما زين للناس ويذكر الموت والبلي أي : يموت قبل أن يموت . كما قيل : مت بالإرادة تحيى بالحقيقة . وحياء المشاهدة : لأهل النهاية ، وإمارته ذوبان الوجود حياء لشهود المعبود وترك الوجود .
ومنها الحرية :
قيل في قوله تعالى :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[ الحشر : 9 ] إنما آثروا على أنفسهم لحريتهم عما خرجوا منه فآثروا به . وقال
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل ، باب كثرة حيائه صلى اللّه عليه وسلم ، حديث رقم ( 67 - 2320 ) ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب المناقب ، باب صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم - حديث رقم ( 3562 ) . ورواه غيرهما .
( 2 ) رواه الحاكم في المستدرك ، ذكر مناقب زيد بن ثابت ، حديث رقم ( 5784 ) [ ج 3 ص 477 ] ورواه الترمذي في سننه ، كتاب المناقب ، باب ( 33 ) حديث رقم ( 3790 ) ورواه غيرهما .
( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .