وقال أيضا :
أنت الجواد بما تعطيه محسان * أنا الفقير الذي تدعوه إنسان
بالجود أعرف من بالفقر يعلمني * ولي عليه دلالات وبرهان
كما تقرر أن الحق يمنحني * ولي بذاك زيادات ونقصان
لي منه بالفقر أرباح مقررة * وبالغنى لي منه اليون خسران
علمي به لا بنفسي أنه سندي * برهاننا فيه إسلام وإيمان
وقال : انظروا قوله :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ
ولم يقل : ظلل من النار « 1 » .
وقال : يأتيهم اللّه في ظلل من الغمام ، والغمام من الغم ، فإن الغمام حجاب بينك وبين السماء التي هي عالم الإنفساح ، ولذلك تنقبض النفوس عند تراكم الغمام ، لأنها تحول بينها وبين عالم انفساحها ، ومسرح أبصارها وانشراحها « 2 » .
وقال :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها
إلى غم آخر أيضا ( أبد الابدين ) فهذا المجيء الإلهي الرباني ، مجيء قهر وعظمة ، وإظهار اقتدار ، للقضاء الفصل بين العباد . فيأخذهم من تحتهم . وكان النبي ( ص ) يقول في تعوذه : « أعوذ بك أن أغتال من تحتي » .
ويتجلى للمؤمنين من فوقهم ، وسبب ذلك أن المؤمن علمه ، فنسب العلو إليه ، فتجلى له من فوق ، يقول اللّه تعالى في الملائكة :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
.
والكافر جهله ، فنسب العلو لنفسه ، فأخذه الحق من تحته فلم يره ، فذلك
هامش
( 1 ) الإستعلاء مقام إبليس ، فالظلل والحجب في حق هؤلاء إبليسية من النار . أما الحجب التي من تحتهم فهي طينية من شهوات النفس في الأرض ، وهي من وسوسة الحجب النارية ولوازم الإستعلاء ، وليست هو .
( 2 ) ولذلك أيضا كان اللّه قريبا من المغمومين والمهمومين والمرضى وأهل الفقر والحاجة ، فتلك من الحجب الطينية التي من تحتهم فكلما استطاع العبد أن يقوم بحق تلك الحجب بنسيانها والتوجه إلى اللّه فقد أفلح . ولذلك قالوا إن الاضطرار يقوم للعبد مقام الاسم الأعظم الذي إذا دعى به أجابأَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ.