وقوله :
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
خطاب للمحجوبين من المستودعين للحفظة .
ولهذا قال :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ
ثم حذر المكذب بذلك ، بقوله تعالى :
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
ونبه على أن مستقر الأنباء عنده ، وأنه يظهر بزوال حجاب البصيرة ، بقوله :
فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ
إلى قوله :
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
.
تنبيه : قوله تعالى :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
له ظاهر وحقيقة ، فظاهره : ان ما عند العبد من المال والولد وزينة الدنيا : بصدد الزوال والنفاد ، وما عند اللّه من الجزاء - على تقدير انفاقه : باق لا ينفد .
وأما حقيقته : فكل شيء له نسبتان : نسبة عارضة ، وهي نسبته للعبد ، ونسبة أصلية : وهي نسبته للّه .
فمعنى كونه « عند العبد » هو : نسبته إليه ، وهو فائت زائل .
ومعنى كونه « عند اللّه » هو نسبته إليه ، وهو باق لا يزول .
والمراد : ان العبد يخرج الأشياء كلها عنه ، ويمحو نسبتها إليه ، بنسبتها إلى اللّه ، وقد بقيت له .
ومتى نسبها إلى نفسه وقدرته ، فقدت ، قال تعالى :
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا
الآية ، فعند ظن القدرة عليها : أخذت وزالت .
وقال تعالى في ضده :
فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ
فأرشدها عند الخوف : أن تلقيه من يدها ، وتخرجه عن حفظها ، فإن اللّه حينئذ يتولاه بحفظه ، ويبقيه برحمته .
تربية : قوله تعالى :
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ
فيه تلطف بعبده في استداعائه للإقبال عليه ، بالاعراض عن سواه ، لأن العبد مجبول على الافتقار للرزق . وإيثاره بالطلب ، فلو جعل الرزق : لا يكتسب إلّا بالإقبال على